فهرس الكتاب
فاستحضار العبد رؤية الله له في جميع أحواله، وسمعه لكل ما ينطق به، وعلمه بما ينطوي عليه قلبه؛ من الهم والعزم والنيات؛ مما يعينه على منزلة الإحسان.
إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها:
في الصحيح من حديث ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لأعلمنَّ أقوامًا مِن أمتي يومَ القيامةِ يأتون بحسناتٍ كأمثالِ الجبال بِيضًا، يجعلُها اللهُ هباءً منثورا". قال ثوبان: صفهم لنا أنْ لا نكون منهم يا رسول الله! قال:"أما إنهم إخوانُكم، ومن جِلدَتِكم، ويأخذون مِن الليلِ كما تأخذون، لكنهم إذا خَلَوا بمحارمِ اللهِ انتهكوها".
وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين؛ أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم. وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم.
[قيل لبعض الحكماء: ما سبب الذنب؟ قال: الخطرة. فإنْ تداركتَ الخطرة بالرجوع إلى الله ذَهَبَتْ، وإنْ لم تفعل تولدتْ عنها الفكرة، فإنْ تداركتَها بالرجوع إلى الله بطلتْ، وإلا فعند ذلك تخالط الوسوسة الفكرة؛ فتتولد عنها الشهوة .. وكل ذلك باطن في القلب لم يظهر على الجوارح، فإنْ استدركتَ الشهوة وإلا تولد منها الطلب، فإنْ تداركتَ الطلب، وإلا تولد منه الفعل.
فإنْ قال قائل: كيف أقدر على دفع خطرات تخطر لا أملكها؟ فالجواب أنها ما لم تكن عزمًا لا تضر، غير أنه ينبغي أن تزجر بالخوف ممن يعلم ما تخفي الصدور لتشاغل القلب بوظائف بعيدة تلهيه عن الأمر الذي خُلق له .. ومتى كففتَ جوارحك ولم تعزم على الخطايا بقلبك؛ فقد عُفي لك عن الوسواس والخواطر، فإذا زجرتها بالخوف فقد بالغت في النظافة.
قال أبو العباس بن مسروق: مَن راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه.] [ذم الهوى]
وقد[حَكَم الله تعالى على كل عبد أنْ يراقب نفسه عند هَمِّه بالفعل، وسعيه بالجارحة .. فيتوقف عن الهم وعن السعي، حتى ينكشف له بنور العلم أنه لله تعالى فيمضيه، أو هو لهوى النفس فيتقيه، ويزجر القلب عن الفكر فيه، وعن الهم به .. فإنَّ الخطوة الأولى في الباطل إذا لم تُدفَع أورثت الرغبة، والرغبة تورث الهم، والهم يورث جزم القصد، والقصد يورث الفعل، والفعل يورث البوار والمقت .. فينبغي أنْ تُحسَم مادة الشر من منبعه الأول، وهو الخاطر؛ فإنَّ جميع ما وراءه يتبعه، ومهما أشكل على العبد ذلك، وأظلمت الواقعة، فلم ينكشف له؛ فيتفكر في ذلك بنور العلم، ويستعيذ بالله من مكر الشيطان بواسطة الهوى .. فإنْ عجز عن الاجتهاد والفكر بنفسه، فيستضئ بنور علماء الدين .. ولصعوبة هذا الأمر وعظمته كان دعاء الصِّدِّيق: اللهم أرني الحق حقًّا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه، ولا تجعله متشابهًا عليّ فأتبع الهوى.
ولا يخلو العبد أن يكون في طاعة، أو في معصية، أو في مباح .. فمراقبته في الطاعة بالإخلاص والإكمال، ومراعاة الأدب، وحراستها عن الآفات .. وإن كان في معصية؛ فمراقبته بالتوبة والندم، والإقلاع والحياء، والاشتغال بالتفكر .. وإن كان في مباح؛ فمراقبته بمراعاة الأدب، ثم بشهود المنعم في النعمة، وبالشكر عليها.
ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن بَلِيَّة لا بد له من الصبر عليها، ونعمة لا بد له من الشكر عليها .. وكل ذلك من المراقبة ..
فينبغي أن يتفقد العبد نفسه في جميع أوقاته، فإذا كان فارغا من الفرائض، وقدر على الفضائل؛ فينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ليشتغل بها؛ فإنَّ مَن فاته مزيد ربح وهو قادر على دركه فهو مغبون .. ! والأرباح تنال بمزايا الفضائل فبذلك يأخذ العبد من دنياه لآخرته، كما قال تعالى: (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [القصص:77]
وكل ذلك إنما يمكن بصبر ساعة واحدة؛ فإن الساعات ثلاث: ساعة مضت لا تعب فيها على العبد كيفما انقضت في مشقة أو رفاهية .. وساعة مستقبلة لم تأتِ بعد، لا يدري العبد أيعيش إليها أم لا .. ؟ ولا يدرى ما يقضى الله فيها .. ؟ وساعة راهنة ينبغي أنْ يجاهد فيها نفسه، ويراقب فيها ربه .. فإن لم تأته الساعة الثانية لم يتحسر على فوات هذه الساعة، وإنْ أتته الساعة الثانية استوفى حقه منها كما استوفى مِن الأولى ..
ولا يطول أمله خمسين سنة؛ فيطول عليه العزم على المراقبة فيها .. بل يكون ابن وقته، كأنه في آخر أنفاسه .. فلعله آخر أنفاسه وهو لا يدري .. وإذا أمكن أن يكون آخر أنفاسه فينبغي أن يكون على وجه لا يكره أن يدركه الموت وهو على تلك الحالة.] [الإحياء (ملخصًا) ]
قال ابن الجوزى: الحذر .. الحذر من المعاصي؛ فإنها سيئة العواقب، والحذر من الذنوب خصوصا ذنوب الخلوات؛ فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه سبحانه.