فهرس الكتاب
قال قتادة بن دعامة السدوسي التابعي الجليل: لا يَقْدِر رَجلٌ على حرام ثم يَدَعه ليس به إلا مخافة الله عز وجل إلا أبدله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خيرٌ له من ذلك.
وعن أُبَيّ بن كعب قال: ما من عبد ترك شيئًا لله إلا أبدله الله به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون به عبد فأخذ من حيث لا يصلح إلا أتاه الله بما هو أشد عليه. [رواه وكيع في الزهد، وهناد، وأبو نعيم في الحلية، وإسناده لا بأس به] ، ويشهد له قوله - صلى الله عليه وسلم:"فإن مَن ترك شيئًا للهِ عوَّضَه اللهُ خيرًا منه" [قال الألباني: هذا من حديث رواه أحمد بسند صحيح]
قال يحيى بن معاذ: مَن ستر عن الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو مِن علامات النفاق!
وقال حاتم الأصم: تعاهد نفسك في ثلاث: إذا عملتَ فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمتَ فاذكر سمع الله لك، وإذا سكتَّ فاذكر علم الله فيك.
وإذا خَلَوْتَ بِرِيبَةٍ في ظُلمَةٍ ... والنَّفْسُ داعِيَةٌ إلى الطغيانِ
فاستحِي مِن نَظَرِ الإلهِ وقُلْ لها: ... إنَّ الذي خلقَ الظلامَ يراني
أقباس نورانية من سيرة السلف:
• قال عبد الله بن دينار: خرجتُ مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى مكة، فعَرَّسنا [1] في بعض الطريق، فانحدر عليه راعٍ من الجبل، فقال له: يا راعِ! بعني شاة من هذه الغنم .. فقال: إني مملوك .. فقال: قل لسيدك أكلها الذئب! قال: فأين الله؟! قال: فبكى عمر، ثم غَدَا إلى المملوك، فاشتراه من مولاه، وأعتقه، وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أنْ تعتقك في الآخرة.
• عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده أسلم، قال: بينا أنا مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو يعس (2) بالمدينة؛ إذ أعياه فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه! قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء. فقالت لها: يا أماه! أوَ علمتِ بما كان مِن عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ فقالت: وما كان مِن عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى أنْ لا يُشاب اللبن بالماء. فقالت لها: يا بنتاه! قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء؛ فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر! فقالت الصبية لأمها: يا أماه! والله ما كنتُ لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلا .. وعمر يسمع كل ذلك! فقال: يا أسلم! عَلِّم الباب، واعرف الموضع ..
فلما أصبح الصبح قال: يا أسلم! امضِ إلى ذلك الموضع فانظر مَن القائلة، ومَن المقول لها؟ وهل لهم مِن زوج؟
قال أسلم: فأتيتُ الموضع فنظرتُ؛ فإذا الجارية أيِّم لا بعل لها، وإذا تيك أمها، وإذا ليس لها رجل .. فأتيتُ عمر بن الخطاب فأخبرتُه .. فدعا عمر ولده فجمعهم، فقال: هل فيكم مَن يحتاج إلى امرأة أزوجه؟ ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه أحد منكم إلى هذه الجارية!
فقال عبد الله: لي زوجة. وقال عبد الرحمن: لي زوجة. وقال عاصم: يا أبتاه! لا زوجة لي فزوجني. فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم، فولدت لعاصم بنتًا، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز.
• ذكر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعث إليه أميره في الشام زيتًا في قِرَب ليبيعه، ويجعل المال في بيت مال المسلمين، فجعل عمر يُفرغه للناس في آنيتهم، وكان كلما فرغت قِربة من قِرَب الزيت قلبها، ثم عصرها وألقاها بجانبه، وكان بجواره ابن صغير له، فكان الصغير كلما ألقى أبوه قِربَة من القِرَب أخذها ثم قلبها فوق رأسه حتى يقطر منها قطرة أو قطرتان .. فعل ذلك بأربع قِرَب أو خمس، فالتفت إليه عمر فجأة، فإذا شعر الصغير حسنٌ، ووجهه حسن .. فقال: ادهنت؟ قال: نعم .. قال: مِن أين؟ قال: مما يبقى في هذه القِرَب .. فقال عمر: إني أرى رأسك قد شبع مِن زيت المسلمين مِن غير عِوَض .. لا والله؛ لا يحاسبني الله على ذلك .. ثم جره بيده إلى الحلاق، وحلق رأسه خوفًا مِن قطرة وقطرتين ..
• كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاحًا أفاءه الله على المسلمين، فتناول ابن له صغير تفاحة، فأخذها من فمه، وأوجع فمه فبكى الطفل الصغير، وذهب لأمه فاطمة، فأرسلت مَن اشترى له تفاحًا، وعاد إلى البيت وما عاد معه بتفاحة واحدة، فقال لفاطمة: هل في البيت تفاح؟ إني أَشُمُ الرائحة، قالت: لا، وقصت عليه القصة -قصة ابنه- فَذَرفت عيناه الدموع، وقال: والله لقد انتزعتها من فمه وكأنما أنتزعها من قلبي، لكني كرهت أن أضيع نفسي بتفاحة مِن فَيْء المسلمين قبل أن يُقَسَّم الفَيءُ.
(1) التَّعْريسُ: نزول القوم في السفر من آخر الليل للاستراحة. ... (2) يعس: يطوف بالليل يحرس الناسَ ويكشف أَهل الرِّيبَة.