الصفحة 20 من 103

• كان بمدينة"مرو"رجل اسمه"نوح بن مريم"، وكان رئيس"مرو"وقاضيها، وكان له نعمة كبيرة وحال موفورة، وكانت له ابنة ذات حسن وجمال وبهاء وكمال؛ قد خطبها جماعة من الأكابر والرؤساء وذوي النعمة والثروة؛ فلم يُنعِم بها لأحد منهم، وتحير في أمرها، ولم يدرِ لأيهم يزوجها؟! وقال: إن زوجتُها لفلان أسخطتُ فلانًا! وكان له غلام هندي تقي اسمه"مبارك"، وكان له بستان عامر الأشجار والفاكهة والثمار .. فقال للغلام: أريد أن تمضي وتحفظ البستان ..

ثم أراد أن يختبره! فقال له: يا مبارك! ناولني عنقود عنب .. فناوله عنقودًا من العنب؛ فوجده حامضًا، فقال له سيده: أعطني غير هذا؛ فناوله عنقودًا حامضًا! فقال له سيده: ما السبب في أنك لا تناولني من هذا الكثير غير الحامض؟! فقال: لأني لا أعلم أحامض هو أم حلو! فقال له سيده: سبحان الله! لك في هذا البستان شهر كامل؛ ما تعرف الحامض من الحلو؟! فقال: وحقك أيها السيد؛ إنني ما ذقته، ولم أعلم أحامض أم حلو! فقال له: لم لا تأكل منه؟ فقال: لأنك أمرتني بحفظه، ولم تأمرني بأكله؛ فماكنت أخونك .. ! فعجب القاضي منه، وقال له: حفظ الله عليك أمانتك ..

وعلم القاضي أن الغلام غزير العقل، فقال له: أيها الغلام! قد وقع لي رغبة فيك، وينبغي أن تفعل ما آمرك به .. فقال الغلام: أنا مطيع لله ولك. فقال القاضي: اعلم أن لي بنتًا جميلة، وقد خطبها كثير من الرؤساء والمتقدمين؛ ولا أعلم لمن أزوجها؛ فأشر عليّ بما ترى .. ! فقال الغلام: إن الكفار في زمن الجاهلية كانوا يريدون الأصل والنسب والبيت والحسب، واليهود والنصارى يطلبون الحسن والجمال، وفي عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان الناس يطلبون الدين والتُّقَى. أما في زماننا هذا فالناس يطلبون المال؛ فاختر من هذه الأربعة ما تريد .. فقال القاضي: قد اخترتُ الدين والأمانة، وجربتُ منك العفة والصيانة.

فقال الغلام: أيها السيد! أنا عبد رقيق، هندي أسود، ابتعتَني بمالك؛ كيف تزوجني

بابنتك، وترضاني؟! فقال له القاضي: قم بنا إلى البيت لندبر هذا الأمر .. فلما صارا إلى المنزل، قال القاضي لزوجته: اعلمي أن هذا الغلام الهندي دَيِّن تَقي وقد رغبت في صلاحه، وأريد أن أزوجه ابنتي؛ فما تقولين؟ فقالت: الأمر إليك، ولكن أمضي إلى الصبية وأُخبرها، وأُعيد عليك جوابها .. فجاءت المرأة إلى الصبية وأدت إليها رسالة أبيها؛ فقالت: مهما أمرتماني به فعلتُه، ولا أخرج من تحت حكمكما، ولا أعاندكما بالمخالفة، بل أبركما .. فزوج القاضي ابنته بالمبارك، وأعطاهما مالًا عظيمًا؛ فأولدها المبارك ولدًا، وسماه"عبد الله"، وهو معروف في جميع العالم؛ فهو"عبد الله بن المبارك"صاحب العلم والزهد ورواية الأحاديث؛ فما دامت الدنيا يُحدَّث عنه يروي.] [التبر المسبوك]

• كان في العراق شاب جميل غني، اسمه"ثابت بن النعمان"، فارسي الأصل، تقي ورع، كان يتوضأ يومًا من النهر؛ فرأى تفاحة فأكلها! ثم خاف أنْ يكون أكلها حرامًا؛ فبحث عن شجرتها حتى وصل إلى صاحبها، فأخبره الخبر، وقال له: سامحني! قال الرجل: لا أسامحكَ إلا بشرط أنْ تتزوج ابنتي؛ وهي عمياء .. صماء .. خرساء!! ففكّر ورأى أنَّ الدنيا موقوتة، وأنَّ عذابها بهذا الزواج أيسر من عذاب الآخرة؛ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون .. قد قبلتُ!

فزوجه بها .. ولما دخل عليها؛ وجد فتاة كأنها القمر، ذات فهم ودين .. !! فقال لأبيها: لم قلتَ: إنها عمياء صماء خرساء؟ قال: لأنها لم تَرَ الرجال، ولم تسمعهم، ولم تكلمهم!

ومن هذين الزوجين الصالحين الجميلين الغنيين وُلِد صبي قُدِّر له أنْ يكون له جمالهما وتُقاهما، وأنْ يكون آية الآيات، وأعجوبة الدنيا في الذكاء والعلم، وهو النعمان بن ثابت .. هذا اسمه، أما"أبو حنيفة"فكنيته .. ولم يكن له بنت اسمها"حنيفة"، ولكن الحنيفة: الدواة بلغة العراق العامية .. كنَّوه بذلك لحمله"الدواة"مِن صغره، ودورانه على العلماء.

عن علي بن حفص البزاز قال: كان حفص بن عبد الرحمن شريكًا لأبي حنيفة وكان أبو حنيفة يجهز عليه، فبعث إليه في رفقة بمتاع، وأعلمه أنَّ في ثوب كذا وكذا عيبًا، فإذا بِعْتَه فبَيِّن. فباع حفص المتاع، ونسي أنْ يبين، ولم يعلم ممن باعه. فلما علم أبوحنيفة تصدق بثمن المتاع كله.

وجاءته امرأة عجوز تطلب ثوب خَزّ .. فأخرج لها الثوب المطلوب، فقالت له: إني امرأة عجوز، ولا علم لي بالأثمان، وإنها الأمانة .. فبعني الثوب بما قام عليك [1] ، وأضفْ إليه قليلا من الربح؛ فإني ضعيفة.

فقال لها: إني اشتريتُ ثوبين اثنين في صفقة واحدة، ثم إني بعتُ أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم؛ فخذيه بها، ولا أريد منك ربحًا!

(1) بما قام عليك: بالثمن الذي اشتريتَه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت