الصفحة 43 من 103

وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته، كما قيل في قوله تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الكهف:82] أنهما حُفظا بصلاح أبيهما. قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدنَّ في صلاتي من أجلك رجاء أنُ أُحفَظ فيك، ثم تلا هذه الآية: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) ، وقال عمر بن عبد العزيز: ما مِن مؤمن يموت إلا حفظه الله في عَقِبه وعَقِب عَقِبه. وقال ابن المنكدر: إنَّ الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله؛ فما يزالون في حفظ من الله وستر .. ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإنَّ الله يحفظه في تلك الحال.

وفي مسند الإمام أحمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كانت امرأةٌ في بيتٍ، فخرجتْ في سَرِيَّةٍ من المسلمين، وتركتْ ثنتي عشرةَ عَنْزَةً وصِيصِيَّتَها كانت تنسج بها. قال: ففقدتْ عنزةً لها وصِيصِيَّتَها، فقالت: يا ربِّ! إنك قد ضمنتَ لمن خرجَ في سبيلِكَ أنْ تحفظَ عليهِ، وإني قد فقدتُ عنزًا مِن غنمي وصِيصِيَّتي، وإني أنشدكَ عنزةً لي وصيصيتي .. قال: وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكرُ شدةَ مناشدتِها ربَّها تبارك وتعالى. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فأصبحتْ عنزُها ومثلُها" [1] [رواه أحمد، وصححه الألباني] "

فمَن حفظ الله حفظه الله من كل أذى، قال بعض السلف: مَن اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومَن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله غنى عنه ..

ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى كما جرى لـ"سفينة"مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كُسِر به المركب، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسد؛ فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق .. ! فلما أوقفه عليها جعل يهمهم كأنه يودعه، ثم رجع عنه .. ! ورُؤي إبراهيم بن أدهم نائمًا في بستان، وعنده حَيَّة في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذب عنه حتى استيقظ .. !

وعكس هذا أنَّ مَن ضيع الله ضيعه الله؛ فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم، كما قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خُلُق خادمي ودابتي.

النوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته مِن الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته؛ فيتوفاه على الإيمان .. قال بعض السلف: إذا حضر الرجل الموت يُقال للمَلَك: شُم رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن .. قال: شُم قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام .. قال: شُم قدميه، قال: أجد في قدميه القيام .. قال: حفظ نفسه؛ فحفظه الله.

وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمره أن يقول عند منامه:"إنْ قبضتَ نفسي فارحمها، وإنْ أرسلتها فاحفظها بما تحفظُ بهِ عبادَكَ الصالحين". وفي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعو:"اللهم احفظني بالإسلامِ قائمًا، واحفظني بالإسلامِ قاعدًا، واحفظني بالإسلامِ راقدًا، ولا تُشمِتْ بي عدوًا حاسدًا". [رواه الحاكم في المستدرك، وحسنه الألباني] ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُوَدِّع مَن أراد سفرا، فيقول:"أستودِعُ اللهَ دينَكَ وأمانتَكَ وخواتيمَ عملِكَ". وقال - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللهَ إذا استُودِعَ شيئًا حفظَهُ". [رواه أحمد، والنسائي، والطبراني، وصححه الألباني]

وفي الجملة فإنَّ الله عز وجل يحفظ المؤمن الحافظ لحدود دينه، ويحول بينه وبين ما يُفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، وقد يكون كارهًا له، كما قال في حق يوسف - عليه السلام: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف:24] قال ابن عباس في قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال:24] قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار. وقال الحسن وقد ذكر أهل المعاصي: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم. وقال ابن مسعود: إنَّ العبد ليهم بالأمر مِن التجارة والإمارة حتى ييسَّر له، فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه؛ فإنه إنْ يسرتُهُ له أدخلتُه النار .. فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير بقوله: حسدني فلان، ودهاني فلان .. وما هو إلا فضل الله عز جل!

(1) وصيصيتُها هي الصنارة التي يُغزَل بها ويُنسج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت