فهرس الكتاب
عظُمَتْ صفاتُكَ يا عظيمُ فَجَلَّ أنْ ... يُحصي الثناءَ عليكَ فيها قائلُ
ربٌّ يُرَبِّي العالمينَ بِبِرِّهِ ... ونَوالُهُ أبدًا إليهِم واصلُ
احفظ الله يحفظك:
[عن أبي العباس عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كنت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا فقال لي:"يا غلام ُإني أعلمُكَ كلماتٍ .. احفظِ اللهَ يحفظْكَ، احفظِ اللهَ تجدْهُ تُجاهَكَ، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعِنْ باللهِ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلا بشيءٍ قد كتبَهُ اللهُ لكَ، وإنْ اجتمعوا على أنْ يَضُروكَ بشيءٍ لم يَضُروكَ إلا بشيءٍ قد كتبَهُ اللهُ عليكَ، رُفِعَتْ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ". [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح]
قوله - صلى الله عليه وسلم:"احفظ الله .."يعني احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه .. فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه وقال عز وجل: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) [ق:32 - 33] وفُسر الحفيظ هنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها.
ومما يجب حفظه: حفظ الرأس والبطن، كما في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - المرفوع:"الاستحياءُ من اللهِ حقَّ الحياءِ أنْ تحفظَ الرأسَ وما وعى، وتحفظَ البطنَ وما حَوَى". [خرجه الإمام أحمد والترمذي] وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على ما حرم الله، قال الله عز وجل: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [البقرة:235] وقد جمع الله ذلك كله في قوله: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36] ويتضمن أيضا حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب.
ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله عز وجل: اللسان والفرج، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَن حَفِظَ ما بين لِحْيَيْهِ وما بينَ رِجليهِ دخلَ الجنةَ". [خرجه الحاكم] ، وأَمَرَ اللهُ عز وجل بحفظ الفرج، ومدح الحافظين لها فقال: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:35] وقال أبو إدريس الخولاني: أول ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض حفظ فرجه، وقال: لا تضعه إلا في حلال.
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"يحفظك .."يعني أنّ مَن حفظ حدود الله، وراعى حقوقه حفظه الله؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة:40] ، وقال: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُم) [محمد:7]
وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله .. قال الله عز وجل: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد:11] قال ابن عباس - رضي الله عنهما: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه. وقال عليّ - رضي الله عنه: إنَّ مع كل رجل مَلَكين يحفظانه مما لم يُقدر، فإذا جاء القَدَر خَلَّيَا بينه وبينه، وإنَّ الأجل جُنَّة حصينة. وقال مجاهد: ما مِن عبد إلا وله مَلَك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما مِن شيء يأتيه إلا قال له: وراءك .. إلا شيئًا أذن الله فيه فيصيبه. وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَدَع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح:"اللهم إني أسألُكَ العافيةَ في الدنيا والآخرةِ، اللهم إني أسألُكَ العفوَ والعافيةَ في ديني ودنيايَ وأهلي ومالي، اللهم استُرْ عوراتي، وآمِنْ رَوْعاتي، واحفظني مِن بينِ يديَّ ومِن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومِن فوقي، وأعوذُ بعظمتِكَ أنْ أُغتال مِن تحتي".
ومَن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله .. وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو مُمَتَّع بقوته وعقله، فوثب يومًا وثبة شديدة؛ فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر؛ فحفظها الله علينا في الكبر .. وعكس هذا أن بعض السلف رأى شيخًا يسأل الناس، فقال: إن هذا ضَيَّع الله في صغره؛ فضيعه الله في كبره.