الصفحة 41 من 103

رُوِي أنّ السماء أمسكت، والأرض أجدبت على عهد عمر بن الخطاب؛ فخرج مع الناس ليستسقي لهم، فاستغفر عمر ربه هنيهة، ثم عاد بالناس! فقالوا له: ما نراك استسقيت لنا؟! قال: لقد طلبت لكم الغيث بمجاديح [1] السماء التي يُستنزَل بها المطر] [تذكرة الدعاة]

• ذكر ابن قُدامة في كتاب"التوابين"أنه: لحق بني إسرائيل قحطٌ على عهد موسى - عليه السلام -، فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله! ادْعُ لنا ربك أنْ يسقينا الغيث. فقام معهم، وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون. فقال موسى - عليه السلام: إلهي! اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرضَّع، والبهائم الرُّتَّع، والمشايخ الرُّكَّع .. فما زادت السماء إلا تقشعًا، والشمس إلا حرارة .. فقال موسى: إلهي! إن كان قد خَلَق جاهي عندك؛ فبجاه النبي الأمي محمد الذي تبعثه في آخر الزمان .. فأوحى الله إليه: ما خَلَقَ جاهك عندي؛ وإنك عندي وجيه، ولكن فيكم عبد يبارزني منذ أربعين سنة بالمعاصي؛ فنادِ في الناس حتى يخرج مِن بين أظهركم؛ فبه منعتُكم .. ! فقال موسى: إلهي! وسيدي! أنا عبد ضعيف، وصوتي ضعيف؛ فأين يبلغ؛ وهم سبعون ألفًا أو يزيدون؟ فأوحى الله إليه: منك النداء، ومني البلاغ .. فقام مناديًا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة! اخرج مِن بين أظهرنا؛ فبك مُنعنا المطر .. ! فقام العبد العاصي، فنظر ذات اليمين وذات الشمال، فلم يَرَ أحدًا خرج؛ فعلم أنه المطلوب .. فقال في نفسه: إنْ أنا خرجتُ مِن بين هذا الخلق افتضحتُ على رءوس بني إسرائيل .. وإنْ قعدتُ معهم مُنعوا لأجلي! فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله، وقال: إلهي! وسيدي! عصيتُك أربعين سنة وأمهلتَني، وقد أتيتُك طائعًا؛ فاقبلني .. فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القِرَب .. فقال موسى: إلهي! وسيدي! بماذا سقيتَنا، وما خرج مِن بين أظهرنا أحد؟! فقال: يا موسى! سقيتُكم بالذي به مَنعتُكم! فقال موسى: إلهي! أرني هذا العبد الطائع. فقال: يا موسى! إني لم أفضحه وهو يعصيني، أأفضحه وهو يطيعني؟!

ومن أسباب الرزق ومفاتحه، التوكل على الله، الأحد الفرد الصمد، وفي الحديث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لو أنكم كنتم تَوَكَّلون على اللهِ حقَّ توكلِه لرُزِقتُكم كما يُرزَقُ الطيرُ، تَغدو خِماصًا وتَروحُ بِطانًا". [رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني]

وقال الله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْرا) [الطلاق:3] .

والمراد بالتوكل اعتقاد ما دلت عليه هذه الآية: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: 6] ، مع الأخذ بالأسباب. فإن التوكل عليه سبحانه مفتاح لكل خير.

مما يُستجلب به الرزق، صلة الرحم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن أحبَّ أنْ يُبسطَ له في رزقِه، ويُنْسَأَ له في أثرِه، فلْيَصِلْ رَحِمَه" [رواه البخاري] .

وروى الطبراني من حديث أبي بكرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ أعجلَ الطاعةِ ثوابًا لَصِلَةُ الرحمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ ليكونوا فَجَرةً، فتنمو أموالُهم، ويكثرُ عددُهم، إذا تواصلوا".

ومن أسباب الرزق الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: (وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ:39] . وروى مسلم في صحيحه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يقول الله تعالى: يا ابن آدم أنفِقْ أُنفِقْ عليك". الله أكبر! ما أعظمه من ضمان بالرزق؛ أنفقْ أُنفقُ عليك.

من أسباب الرزق الإحسان إلى الضعفاء والفقراء، وبذل العون لهم، فهذا سبب في زيادة الرزق وهو أحد مفاتيحه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم". [رواه البخاري]

فمن رغب في رزق الله له، فلا ينسَ الضعفاء والمساكين، فإنما بهم يُرزق، ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ابغوني في ضعفائكم فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم" [رواه النسائي وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني] . ابغوني: تقربوا إليَّ بالتقرب إليهم وتفقد حالهم، وحفظ حقوقهم، والإحسان إليهم قولا وفعلا واستنصارا.

يا فاطرَ الخَلْقِ البديعِ وكافلًا ... رزقَ الجميعِ سحابُ جُودِكَ هاطِلُ

يا مُسبِغَ البِرِّ الجزيلِ ومُسبِلَ الـ ... سترِ الجميلِ عميمُ طَوْلِكَ طائلُ

يا عالِمَ السِّرِّ الخفيِّ ومُنجِزَ الـ ... وعدِ الوفيِّ قضاءُ حُكمِكَ عادلُ

(1) أَراد عمر - رضي الله عنه - إبطال الأنْواء والتكذيب بها؛ فجعل الاستغفار هو الذي يُستَسقَى به لا المجاديح والأَنواء التي كانوا يستسقون بها. والمَجاديحُ واحدها مِجْدَحٌ وهو نجم من النجوم كانت العرب تزعم أَنه مُمْطَر به. [لسان العرب]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت