الصفحة 40 من 103

والله جل وعلا يضمن للخليقة جمعاء رزقها فضلا منه لا وجوبا عليه، ووعدا منه حقا، فهو لم يخلق الخلق ليضيعهم: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [هود:6]

وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن رُوحَ القُدُسِ نَفثَ في رُوعِي أنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تستكملَ رزقَها، ألا فاتقوا اللهَ وأجمِلوا في الطلبِ، ولا يحملنكم استبطاءُ الرزقِ أنْ تطلبوه بمعاصي اللهِ؛ فإنه لا يُدرَكُ ما عندَ اللهِ إلا بطاعتِهِ". [أخرجه الحاكم وابن حبان، وحسنه الألباني]

فإن العبد إذا أيقن أن الرزق بيد الله، وأنه آتيه لا محالة تفرغ لأداء المهمة التي خلقه الله من أجلها؛ وهي العبادة بمفهومها الشامل. وحينئذ يمكنه أن يقول الحق ولا يخشى في الله لومة لائم؛ فلا يخشى فصلا من عمل، أو طردا من وظيفة، أو حرمانا من تجارة؛ فرزقه عند الله لا محالة.

وهو عندما يبذل سببا للحصول على الرزق؛ يبذله وهو عزيز النفس رافع الرأس، فليس لأحد منة عليه، بل المنة والفضل لله جميعا.

والله جل وعلا عندما قسم الأرزاق جعل بينها تفاوتا: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) [الإسراء:30]

ولو أعطى الله الخلق فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِير) [الشورى:27]

إنه سبحانه وتعالى يرزق عباده بالقدر الذي فيه صلاحهم، فيُغني من لا يُصلحه إلا الغنى، ويَقْدِر على مَن لا يُصلحه إلا الفقر؛ بحكمته وعدله جل وعلا: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الشورى:12]

والرزق مكتوب للعبد وهو في بطن أمه:"إنَّ أحدَكم يُجمعُ خلقُه في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا، ثم يكونُ علقةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ مُضغةً مثلَ ذلك، ثم يبعثُ اللهُ إليهِ مَلَكًا، ويُؤمَرُ بأربعِ كلماتٍ، ويُقالُ له: اكتبْ عملَه ورزقَه وأجلَه، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثمُ يُنفخُ فيه الروحُ". [رواه البخاري ومسلم]

فوالله الذي لا إله إلا هو، لو اجتمعت الدنيا كلها، بقضِّها وقضيضها، وجيوشها ودولها، وعسكرها وملوكها وأرادوا أن يمنعوا رزقا قدره الله لك، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولو أرادوا أن يسقوك شربة ماء، لم يكتبْها الله لك، فإنك ستموت قبل هذه الشربة.

ومن أسباب الرزق: الاستغفار والتوبة: نعم .. التوبة والاستغفار، قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارا) [نوح:10 - 12] ، قال القرطبي:"هذه الآية دليل على أن الاستغفار يُستنزل به الرزق والأمطار"، وقال ابن كثير:"أي إذا تبتم واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم".

جاء رجل إلى الحسن فشكا إليه الجَدْب، فقال: استغفر الله، وجاء آخر فشكا الفقر،

فقال له: استغفر الله، وجاء آخر فقال: ادع الله أن يرزقني ولدا، فقال: استغفر الله، فقال أصحاب الحسن: سألوك مسائل شتى وأجبتهم بجواب واحد وهو الاستغفار؟ فقال رحمه الله: ما قلت من عندي شيئا، إن الله يقول: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) .

وقال تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) [هود: 3]

[هذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى من الذنوب سبب لأن يمتع الله مَن فعل ذلك متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى؛ لأنه رتب ذلك على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه.

والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا، وأن المراد بالأجل المسمى: الموت.] [أضواء البيان]

[وقد ابتلينا في العصر الحديث بالغفلة والشك، وذهبنا نظن أنَّ هذا الكلام ومثله إنما أريد به مجرد الترغيب والترهيب، لا أنه حقيقة واقعة، وقانون صادق .. ابتلينا بهذا فخسرنا كل شيء .. وقد كان سلفنا الصالح يفطنون إليها، ويوقنون بخيرها، ويستفتحون أبواب

السماء بسرها؛ فيسعفهم الله بما يريدون ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت