الصفحة 39 من 103

من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى.

فهناك تلازم بين شرع الله اللباس لستر العورات والزينة، وبين التقوى .. كلاهما لباس. هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم ويزينه. وهما متلازمان. فعن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح عري الجسد والحياء منه. ومَن لا يستحيي من الله ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري .. العري من الحياء والتقوى، والعري من اللباس وكشف السوأة!

إن ستر الجسد حياء ليس مجرد اصطلاح وعرف بيئي -كما تزعم الأبواق المسلطة على حياء الناس وعفتهم لتدمير إنسانيتهم، وفق الخطة اليهودية البشعة التي تتضمنها مقررات حكماء صهيون- إنما هي فطرة خلقها الله في الإنسان؛ ثم هي شريعة أنزلها الله للبشر؛ وأقدرهم على تنفيذها بما سخر لهم في الأرض من مقدرات وأرزاق.

والله يذكر بني آدم بنعمته عليهم في تشريع اللباس والستر، صيانة لإنسانيتهم من أن تتدهور إلى عرف البهائم! وفي تمكينهم منه بما يسر لهم من الوسائل.

فإذا كان اللباس المادي فيه مواراة وستر لفضوح الدنيا، فإن لباس التقوى يواري عنا فضوح الآخرة. أو لباس التقوى هو الذي تتقون به أهوال الحروب؛ إنّه خير من لباس الزينة والرياش لأنكم تحمون به أنفسكم من القتل، أو ذلك اللباس- لباس التقوى- خير من اللباس المادي وهو من آيات الله، أي من عجائبه، وهو من الأشياء اللافتة؛ فالإنسان منكم مكون من مادة لها احتياجات مادية وعورات مادية، وهناك أمور قيمية لا تنتظم الحياة إلا بها، وقد أعطاك الحق مقومات الحياة المادية، وزينة الحياة المادية، وأعطاك ما تحيا به في السلم والحرب، ومنهج التقوى يحقق لك كل هذه المزايا. [تيسير الكريم الرحمن - محاسن التأويل - الظلال - تفسير الشعراوي]

التقوى من مفاتيح الرزق:

قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق:2 - 3]

فإن تقوى الله سبب تفريج الكُرَب والخَلاص من المضائق، وملاحظةُ المسلم ذلك ويقينُه بأن الله يدفع عنه ما يخطر بباله من الخواطر الشيطانية التي تثبطه عن التقوى يحقق وعد الله إياه بأن يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب.

فكل مَن اتقى الله تعالى، ولازم مرضاة الله في جميع أحواله، فإن الله يثيبه في الدنيا والآخرة. ومن جملة ثوابه أن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل شدة ومشقة، وكما أن مَن اتقى الله جعل له فرجًا ومخرجًا، فمَن لم يتق الله، وقع في الشدائد والآصار والأغلال، التي لا يقدر على التخلص منها والخروج من تبعتها.

(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) أي: يسوق الله الرزق للمتقي، من وجه لا يحتسبه ولا يشعر به. [التحرير والتنوير - تيسير الكريم الرحمن]

وفي القرآن مواضع متكررة فيها هذا الارتباط بين صلاح القلوب واستقامتها على هدى الله، وبين تيسير الأرزاق وعموم الرخاء .. جاء في موضع: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [المائدة:65 - 66] وجاء في موضع: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) [هود:3]

وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة؛ كما أنّ الواقع العملي يشهد بتحققها على مدار القرون.

قال أبو سعيد الخدري: ومَن يبرأ مِن حوله وقوته بالرجوع إلى الله؛ يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة له. وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على العموم، وقال أبو ذر: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم"، وتلا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) فما زال يكررها ويعيدها.

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: مخرجًا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة.

قال الزجاج: إذا اتقى وآثر الحلال والتصبر على أهله؛ فتح الله عليه إنْ كان ذا ضِيقة، ورزقه مِن حيث لا يحتسب. [الجامع لأحكام القرآن - الظلال]

وقد قيل لأحد الصالحين: إن الأسعار قد ارتفعت، فقال: أنزلوها بالتقوى؛ في إشارة منه لقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف:96]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت