فهرس الكتاب
وقال بعضهم: ابن آدم! إنْ كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تَصْفُ لك مِن عينٍ ناظرة إليك، فلما خلوتَ بالله وحده صَفَتْ لك معصيته، ولم تستحي منه حياءك مِن بعض خلقه .. ما أنت إلا أحد رجلين: إنْ كنتَ ظننتَ أنه لا يراك؛ فقد كفرت .. وإنْ كنتَ علمتَ أنه يراك، فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه؛ فقد اجترأت.
دخل بعضهم غَيْضَة ذات شجر، فقال: لو خلوتُ ههنا بمعصية مَن كان يراني .. ؟ فسمع هاتفًا بصوت ملأ الغيضة: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير!
ورأى محمد بن المنكدر رجلا واقفًا مع امرأة يكلمها، فقال: إنّ الله يراكما، سترنا الله وإياكما.
وكان ابن السماك ينشد:
يا مُدمِن الذنبِ أمَا تستحيي، واللهُ في الخلوةِ ثانيكا
غرَّكَ مِن ربِّكَ إمهالُهُ وسَتْرُهُ طُولَ مَساوِيكا
ومَن صار له هذا المقام حالا دائمًا أو غالبًا، فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم.
وفي الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين، وفي الحديث:"ما أسَرَّ عَبدٌ سريرةً إلا ألبسه الله رداءها علانية .. إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر". [رُوي هذا مرفوعًا، ورُوي عن ابن مسعود من قوله. وضعفه الألباني]
وقال أبو الدرداء: ليتقِ أحدكم أنْ تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر؛ يخلو بمعاصي الله؛ فيلقى الله له البغض في قلوب المؤمنين.
وقال سليمان التيمي: إنّ الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته.
وقال غيره: إنَّ العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه؛ فيرون أثر ذلك عليه .. !
وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع مِن قدرته حجاب ولا استتار .. فالسعيد مَن أصلح ما بينه وبين الله، فإنّ مَن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومَن التمس محامد الناس بسخط الله؛ عاد حامده مِن الناس ذامًّا له .. !
قال أبو سليمان: إنَّ الخاسر مَن أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح مَن هو أقرب إليه مِن حبل الوريد.
ومِن أعجب ما رُوي في هذا ما قاله أبو جعفر السائح: كان حبيب أبو محمد تاجرا يتعامل بالربا، فمَرَّ ذات يوم بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا! فنكس رأسه، وقال: يا ربِّ! أفشيت سري إلى الصبيان .. فرجع، فجمع ماله كله، وقال: يا ربِّ! إني أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال، فأعتقني .. ! فلما أصبح؛ تصدق بالمال كله، وأخذ في العبادة، ثم مَرَّ ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا .. فقد جاء حبيب العابد .. ! فبكى، وقال: يا ربِّ! أنت تذم مرة، وتحمد مرة، وكله من عندك.] [جامع العلوم والحكم (بتصرف يسير) ]
ولباس التقوى ذلك خير:
قال تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِك) [الأعراف:26]
(أنزلنا) أي: شرعنا لكم في التنزيل. واللباس قد يُطلق على ما يُواري السوأة وهو اللباس الداخلي. والرياش قد يُطلق على ما يستر الجسم كله ويُتجمل به، وهو ظاهر الثياب. كما قد يُطلق الرياش على العيش الرغد والنعمة والمال.
لقد امتن الله على عباده بما يسر لهم من اللباس الضروري، واللباس الذي المقصود منه الجمال، وهكذا سائر الأشياء، كالطعام والشراب والمراكب، والمناكح ونحوها، قد يسر الله للعباد ضروريها، ومكمل ذلك، وبين لهم أن هذا ليس مقصودا بالذات، وإنما أنزله الله ليكون معونة لهم على عبادته وطاعته، ولهذا قال: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) من اللباس الحسي، فإن لباس التقوى يستمر مع العبد، ولا يبلى ولا يبيد، وهو جمال القلب والروح. وأما اللباس الظاهري، فغايته أن يستر العورة الظاهرة، في وقت من الأوقات، أو يكون جمالا للإنسان، وليس وراء ذلك منه نفع.
فلما بيَّن تعالى ساتر الظاهر وزينته، أشار إلى ساتر عيوب الباطن وزينته بقوله: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) أي: خشية الله، أو الإيمان، أو السمت الحسن، والكل متقارب.
وأيضًا، فبتقدير عدم هذا اللباس، تنكشف عورته الظاهرة، التي لا يضره كشفها، مع الضرورة، وأما بتقدير عدم لباس التقوى، فإنها تنكشف عورته الباطنة، وينال الخزي والفضيحة.
قال المهايمي: لأن الظاهر محل نظر الخلق، والباطن محل نظر الحق، والعيوب الباطنة أفحش من العورات الظاهرة. وقال القاشاني: لباس التقوى صفة الورع والحذر من صفة النفس، ذلك خير لأنه من جملة أركان الشرائع، لأنه أصل الدين وأساسه، كالحمية في العلاج.
قال الزمخشري: وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوءات، وخصف الأوراق عليها، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري وكشف العورة