فهرس الكتاب
روى الترمذي بسند حسن عن عطية السعدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقين حتى يدعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأسٌ". لا يبلغ أن يكون من المتقين حتى يترك الأشياء التي لا بأس فيها ولا حرج عليها خوفًا مما به البأس، يترك الشبهات، ويترك ما قد يتسبب له في ارتكاب محرم، أو تستشرف نفسه بعده لارتكاب منهي، عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ الحلالَ بَيِّنٌ وإنَّ الحرامَ بَيِّنٌ وبينهما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعلمُهُنَّ كثيرٌ مِنَ الناسِ، فمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ استبرأَ لدينِه وعِرضِه ومَن وقعَ في الشُّبُهاتِ وقعَ في الحرامِ .." [متفق عليه]
(إن الحلال بين) : أي واضح لا يخفى حِله. (وإن الحرام بين) : أي لا يَخفى حُرمته، وفيه تقسيم للأحكام إلى ثلاثة أشياء وهو تقسيم صحيح، لأن الشيء إما أن ينص الشارع على طلبه مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله، أو لا ينص على واحد منهما؛ فالأول الحلال البين، والثاني الحرام البين، والثالث المشتبه لخفائه فلا يُدرى أحلال هو أم حرام، وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إنْ كان في نفس الأمر حرامًا فقد برئ من التبعة، وإنْ كان حلالا فقد استحق الأجر على الترك لهذا القصد، لأن الأصل مختلف فيه حظرا وإباحة.
(وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) : قال الخطابي: أي أنها تشتبه على بعض الناس دون بعض، وليس أنها في ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها في جملة أصول الشريعة، فإن الله سبحانه لم يترك شيئًا يجب له فيه حكم إلا وقد جعل فيه له بيانا ونصب عليه دليلا، ولكن البيان ضربان: بيان جلي يعرفه عامة الناس، وخفي لا يعرفه إلا الخاص من العلماء. قال: والدليل على صحة ما قلنا قوله عليه السلام:"لا يعلمها كثير"، وقد علم ببيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها وإن كانوا قليل العدد. وإذا صار معلوما عند بعضهم فليس بمشبه في نفسه.
(فمن اتقى الشبهات) : أي اجتنب عن الأمور المشتبهة قبل ظهور حكم الشرع فيها (استبرأ لدينه وعِرضه) : يعني بالغ في براءة دينه من أن يختل بالمحارم، وعِرضه من أن يُتهم بترك الورع. والسين فيه للمبالغة، كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِف) [النساء:6] (استعفَّ) أبلغ من (عفَّ) ، كأنه طالب زيادة العفة.
(ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه من كثرة تعاطيه الشبهات يصادف الحرام، وإن لم يتعمده، وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير.
والثاني: أنه يعتاد التساهل، ويتمرن عليه، ويجسر على شبهة ثم شبهة أغلظ منها، ثم أخرى أغلظ، وهكذا حتى يقع في الحرام عمدا، وهذا نحو قول السلف: المعاصي بريد الكفر، أي تسوق إليه. عافانا الله تعالى من الشر. [عون المعبود - شرح النووي على صحيح مسلم]
ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، فعن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد تمرةً في الطريق، فقال:"لولا أني أخافُ أنْ تكونَ مِن الصدقةِ لأكلتُها". [متفق عليه]
اتقِ الله حيثما كنت:
عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"اتَّقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبِعْ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالِقِ الناسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ". [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وحسنه الألباني]
قال الحافظ ابن رجب: [مَن علم أنَّ الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه وظاهره، وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته؛ أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]
كان بعض السلف يقول لأصحابه: زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد مَن قدر عليه في الخلوة، فعلم أن الله يراه؛ فتركه مِن خشيته.
وقال الشافعي: أعز الأشياء ثلاثة: الجود مِن قِلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند مَن يُرجَى أو يُخشَى.
وكتب ابن السماك الواعظ إلى أخ له: أما بعد .. أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك .. فاجعل الله مِن بالك على كل حال؛ في ليلك ونهارك .. وخَف الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك .. واعلم أنك بعينه، لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من مُلكه إلى مُلك غيره .. فليعظم منه حذرك، وليكثر منه وَجَلك .. والسلام.
قال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك: ما بالكم تسترون الذنوب من خَلْقي، وتظهرونها لي .. ! إنْ كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإنْ كنتم ترون أني أراكم فَلِمَ تجعلونني أهون الناظرين إليكم .. ؟