فهرس الكتاب
فقوله: (على نور من الله) إشارة إلى الأصل الأول، وهو مصدر العمل والسبب الباعث عليه. وقوله: (ترجو ثواب الله) إشارة إلى الأصل الثاني، وهو الاحتساب، وهو الغاية التى لأجلها توقع العمل ويقصد به.] [الرسالة التبوكية]
وقال الإمام أحمد: التقوى هى ترك ما تهوى لما تخشى.
وقيل: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وقيل: التقوى هي أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.
و (التقوى) إحدى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياة الجماعة المسلمة ومنهجها. واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع الأمة بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها، وأخرجها للوجود من أجلها .. هاتان القاعدتان المتلازمتان هما: الإيمان والأخوة ..
الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة. والأخوة في الله، تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية، وفي التاريخ الإنساني: دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكر.
هما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم. فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه.
ركيزة الإيمان والتقوى أولا .. التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل .. التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله. [الظلال]
اتقوا الله ما استطعتم:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران:102]
أي: حق تقواه، وذلك بدوام خشيته ظاهرا وباطنا والعمل بموجبها. وروى الحافظ ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود أنه قال في معنى الآية: هو أن يطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.
وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي العبد الله حق تقاته حتى يخزن لسانه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
قال القاسمي: كل ما روي مما تشمله الآية بعمومها، فلا تنافي.
(اتقوا الله) - كما يحق له أن يُتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها. وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق، وجدَّت له أشواق. وكلما اقترب بتقواه من الله، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى. وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام!
وهذا أمر من الله لعباده المؤمنين أن يتقوه حق تقواه، وأن يستمروا على ذلك ويثبتوا عليه ويستقيموا إلى الممات، فإن من عاش على شيء مات عليه، فمن كان في حال صحته ونشاطه وإمكانه مداوما لتقوى ربه وطاعته، منيبا إليه على الدوام، ثبته الله عند موته ورزقه حسن الخاتمة.
وهذه الآية بيان لما يستحقه تعالى من التقوى، وأما ما يجب على العبد منها، فكما قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] ، وتفاصيل التقوى المتعلقة بالقلب والجوارح كثيرة جدا، يجمعها فعل ما أمر الله به وترك كل ما نهى الله عنه. [محاسن التأويل - في ظلال القرآن - تيسير الكريم الرحمن]
فالتقوى الحقيقية هي أن يجتهد العبد في ترك الذنوب كلها صغارها وكبارها، ويجتهد في الطاعات كلها الواجبات والنوافل ما استطاع، لعل كثرة النوافل تعوض ما قد يعرض
من تقصير، واجتناب الصغائر يجعل بين العبد وبين الكبائر جُنة حصينة.
فمثل هذا يستحق اسم المتقي، واجتهاده في الطاعات كلها من الواجبات والنوافل وترك المعاصى ما استطاع من كبائر وصغائر، وترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس هو التقوى التى دارت عليها أقوال السلف.
قال أبو الدرداء - رضي الله عنه: تمام التقوى أن يتقى الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرامًا، يكون حجابًا بينه وبين الحرام؛ فإن الله قد بين للعباد الذى يصيرهم إليه فقال: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7 - 8] ، فلا تحقرن شيئًا من الخير أن تفعله، ولا شيئًا من الشر
أن تتقيه.
وقال موسى بن أعين: المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسماهم الله متقين. وقال ميمون بن مهران: المتقى أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه.
وقال الحسن البصري: لا زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.
فالمتقون لا يرتكبون المحرمات ويستبيحونها ويبررون لها بالمبررات، ويطلبون الفتاوى التي تؤيد ارتكابهم لها، ويبحثون عنها بحثًا، فإن لم يجدوها برروا ذلك بأن الله غفور رحيم، ونسوا أنه كذلك شديد العقاب.