فهرس الكتاب
قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور.
يعني: أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول.
وروى البزار في صحيح الجامع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما مِن عبدٍ إلا وله صِيتٌ في السماءِ، فإنْ كان صِيتُهُ في السماءِ حسنًا وُضعَ في الأرضِ، وإنْ كان صِيتُهُ في السماءِ سيئًا وُضعَ في الأرضِ". [صححه الألباني]
وفي الصحيحين عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنّ اللهَ إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ، فقال: إني أحبُّ فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن اللهَ يحبُّ فلانًا فأحبوه، فيحبُّه أهلُ السماءِ. ثم يُوضَعُ له القبولُ في الأرضِ. وإذا أبغضَ عبدًا دعا جبريلَ فيقولُ: إني أبغضُ فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضُهُ جبريلُ، ثم ينادي أهلَ السماءِ: إنَّ اللهَ يُبغضُ فلانًا فأبغضوه. ثم تُوضَعُ لهُ البغضاءُ في الأرضِ".
قال ابن القيم: وقد جرت عادة الله التي لا تتبدل، وسنته التي لا تتحول؛ أن يُلبس المخلِص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق، وإقبال قلوبهم إليه؛ ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه .. ويُلبس المرائي ثوبي الزور من المقت والمهانة والبغض، وما هو اللائق به ..
ربَّاهُ هأنذا خلصتُ مِنَ الهوى ... واستقبلَ القلبُ الخَلِيُّ هواكا
وتركتُ أُنسي بالحياةِ ولهوِها ... ولَقِيتُ كُلَّ الأُنسِ في نَجواكا
ونَسِيتُ حُبي واعتزلتُ أحبتي ... ونَسِيتُ نفسي خوفَ أنْ أنساكا
ذُقتُ الهوى مُرًّا ولم أذُقِ الهوى ... ياربِّ حُلوًا قبلَ أنْ أهواكا
أنا كنتُ ياربي أسيرَ غِشاوَةٍ ... رانَتْ على قلبي فَضَلَّ سَنَاكا
واليومَ ياربي مَسَحْتَ غِشاوتي ... وبدأتُ بالقلبِ البصيرِ أراكا
موضوع"الإخلاص"منقول باختصار من كتاب"بشريات السلامة من أهوال القيامة":5
ورحمتي وسعت كل شيء
قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:156]
هذه الآية تدل على أن الرحمة لا تُنال بمجرد الإيمان الذي هو التصديق، حتى ينضم إليه الطاعات.
هذا التعبير يجعل رحمة الله أوسع من ذلك الكون الهائل الذي خلقه، والذي لا يدرك البشر مداه .. فيالها من رحمة لا يدرك مداها إلا الله!
(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) المعاصي، صغارها وكبارها. (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) الواجبة مستحقيها، (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه.
فرحمته تبارك وتعالى وسعت كل شيء؛ وهي تنال مَن يستحقها عنده؛ وبذلك تجري مشيئته، ولا تجري مشيئته سبحانه بالعذاب أو بالرحمة جزافا أو مصادفة. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. [تيسير الكريم الرحمن - في ظلال القرآن - محاسن التأويل]
أهل المرحمة
(2) المتقون
قال الحافظ ابن رجب: أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه. فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه؛ من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.
وقال ابن القيم:[وأما التقوى فحقيقتها العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا، أمرا ونهيا، فيفعل ما أمر الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانا بالنهي وخوفا من وعيده، كما قال طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى. قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله؛ ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله؛ تخاف عقاب الله.
وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى، فإنَّ كل عمل لا بد له مِن مبدأ وغاية، فلا يكون العمل طاعة وقُربة حتى يكون مصدره عن الإيمان؛ فيكون الباعث عليه هو الإيمان المحض لا العادة ولا الهوى ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك، بل لابد أن يكون مبدؤه محض الإيمان وغايته ثواب الله وابتغاء مرضاته؛ وهو الاحتساب.
ولهذا كثيرا ما يقرن بين هذين الأصلين في مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا .." [رواه البخاري] ، و"مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا .." [رواه البخاري ومسلم] ، ونظائره.