الصفحة 34 من 103

ولم يُخْفِ العالم الكبير المعروف مُلا فناري إعجابه، فقال فيما بعد لأصدقائه: لقد شاهدنا عظمة هذا الرجل، وتبحره في العلم وفي التفسير، فالتفسير الأول للفاتحة فهمه الجميع، والتفسير الثاني فهمه البعض، والتفسير الثالث فهمه القلة والخواص فقط، أما التفسير الرابع والخامس والسادس والسابع فقد كان فوق طاقة إدراكنا .. !

وانتشر الخبر في أرجاء العاصمة"بورصة"بسرعة، وعرف الجميع حقيقة هذا الرجل المتواضع الفقير، الذي يحمل سلة الخبز على ظهره، ويتجول في الأسواق والأزقة، ويتلاطف مع الأطفال والصبيان .. عرفوا أنه عالم كبير، وولي من أولياء الله، وانتظروا رؤيته؛ لكي يقبلوا يديه ويسألوه الدعاء .. ولكنهم لم يروه! أجل .. لم يروه بعد تلك الخطبة؛ لقد رحل هذا الولي عن"بورصة"بعد أن تكشف أمره، ورحل إلى مدينة أخرى لا يعرفه الناس فيها .. مات -رحمه الله- في مدينة"آق صراي"، ودُفن فيها. [روائع من التاريخ العثماني لأورخان محمد علي / نقلًا عن موقع"التاريخ" (بتصرف) ]

فيا عباد الله ..

هؤلاء هم المخلصون؛ الذين إذا رءوا ذُكر الله .. وإذا تكلموا كان كلامهم لعز الإسلام، ونجاة النفوس وصلاحها؛ لا لعز النفوس وطلب الدنيا وقبول الخلق .. وكانوا لعملهم مُتَّهِمين، ولسبيل أسلافهم مُتَّبِعين، وبكتاب الله وسنة نبيهم متمسكين .. الخشوع لباسهم، والورع زينتهم، والخشية حليتهم .. كلامهم الذكر، وصمتهم الفكر .. نصيحتهم للناس مبذولة، وشرورهم عنهم مخزونة، وعيوب الناس عندهم مدفونة .. وَرَّثوا جلّاسهم الزهد في الدنيا لإعراضهم وإدبارهم عنها .. ورَغَّبوهم في الآخرة لإقبالهم وحرصهم عليها ..

عاجل بشرى المسلم:

يقول فضيلة الشيخ/ محمد حسان: إذا عمل العبد عملًا يُبتغَى به وجهُ الله، وتضرع إلى الله أنْ يرزقه فيه الإخلاص، ثم أثنى الناس عليه خيرًا، وجعل الله له الثناء الحسن على ألسنة الصادقين مِن عباده، وجعل الله له المكانة الطيبة في قلوب المخلصين مِن عباده وأوليائه؛ فليستبشر خيرًا ..

ففي صحيح مسلم عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قلتُ: يارسول الله! أرأيتَ الرجل يعمل العمل مِن الخير ويحمده الناس؟ فقال - صلى الله عليه وسلم:"تلك عاجلُ بشرى المسلمِ".

فالنبي - صلى الله عليه وسلم -[أخبر في هذا الحديث أن آثار الأعمال المحمودة المعجلة من البشرى؛ فإن الله وعد أولياءه -وهم المؤمنون المتقون- بالبشرى في هذه الحياة وفي الآخرة.

و"البشارة"الخبر أو الأمر السار الذي يَعرف به العبد حسن عاقبته، وأنه من أهل السعادة، وأن عمله مقبول.

أما في الآخرة فهي البشارة برضى الله وثوابه، والنجاة من غضبه وعقابه، عند الموت، وفي القبر، وعند القيام إلى البعث، يبعث الله لعبده المؤمن في تلك المواضع بالبشرى على يدي الملائكة، كما تكاثرت بذلك نصوص الكتاب والسنة، وهي معروفة.

وأما البشارة في الدنيا التي يجعلها الله للمؤمنين؛ نموذجًا وتعجيلًا لفضله، وتعرفًا لهم بذلك، وتنشيطًا لهم على الأعمال .. فأعمُّها توفيقه لهم للخير، وعصمته لهم من الشر، كما قال - صلى الله عليه وسلم:"أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة". فإذا كان العبد يجد أعمال الخير ميسرة له، مسهلة عليه، ويجد نفسه محفوظًا بحفظ الله عن الأعمال التي تضره، كان هذا من البشرى التي يستدل بها المؤمن على عاقبة أمره، فإن الله أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين. وإذا ابتدأ عبده بالإحسان أتمه.

فأعظم منة وإحسان يمن به عليه إحسانه الديني، فيُسَر المؤمن بذلك أكمل سرور: سرور بمنة الله عليه بأعمال الخير، وتيسيرها؛ لأن أعظم علامات الإيمان محبة الخير، والرغبة فيه، والسرور بفعله. وسرور ثانٍ بطمعه الشديد في إتمام الله نعمته عليه، ودوام فضله.

ومن ذلك ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: إذا عمل العبد عملا من أعمال الخير -وخصوصًا الآثار الصالحة والمشاريع الخيرية العامة النفع-، وترتب على ذلك محبة الناس له، وثناؤهم عليه، ودعاؤهم له .. كان هذا من البشرى أن هذا العمل من الأعمال المقبولة، التي جعل الله فيها خيرًا وبركة.

ومن البشرى في الحياة الدنيا، محبة المؤمنين للعبد لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) [مريم: 96] ، أي محبة منه لهم، وتحبيبًا لهم في قلوب العباد. ومن ذلك الثناء الحسن، فإن كثرة ثناء المؤمنين على العبد شهادة منهم له. والمؤمنون شهداء الله في أرضه.

ومن ذلك الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو تُرى له، فإن الرؤيا الصالحة من المبشرات.

ومن البشرى أن يُقَدِّر الله على العبد تقديرًا يحبه أو يكرهه. ويجعل ذلك التقدير وسيلة إلى إصلاح دينه، وسلامته من الشر.

وأنواع ألطاف الباري سبحانه لا تُعَد ولا تُحصى، ولا تخطر بالبال، ولا تدور في الخيال. والله أعلم.] [بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت