فهرس الكتاب
• قال الحافظ الذهبي عند ترجمة الإمام الماوردي: قال عنه القاضي شمس الدين في"وفيات الأعيان": مَن طالع كتاب"الحاوي"له؛ يشهد له بالتبحر، وقد وُلي قضاء بلاد كثيرة، وله تفسير القرآن سماه"النكت"، و"أدب الدنيا والدين"، و"الأحكام السلطانية"، وغيرها .. وقيل: إنه لم يُظهر شيئًا من تصانيفه في حياته، وجمعها في موضع، فلما دنت وفاته قال لمن يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أُظهرها؛ لأني لم أجد نية خالصة! فإذا عاينتُ الموت، ووقعتُ في النزع؛ فاجعل يدك في يدي .. فإنْ قبضتُ عليها وعصرتُها؛ فاعلم أنه لم يُقبَل مني شيء منها! فاعمد إلى الكتب، وألقها في دجلة! وإنْ بسطتُ يدي؛ فاعلم أنها قُبِلَت .. قال الرجل: فلما احتُضر وضعتُ يدي في يده؛ فبسطها؛ فأظهرتُ كتبه. [سير أعلام النبلاء]
• وهذا سعد الرشود أحد المجاهدين العرب في أفغانستان، يقول عنه د. عبد الله عزام:[قلت له: يا سعد! ألا نأتيك بأهلك هنا؟ قال: دعهم يشاركوننا الجهاد في الصبر على فراقنا. قلت: ألا ترسل لهم بعض ما يقتاتون منه؟ قال: عندهم ما يكفيهم، ونحن لانريد أن يتوسعوا. ثم استدرك وقال: يا شيخ عبد الله .. والله لي ثلاث بنات قد نسيت صورهن!
رأيت ذات ليلة ابنتي في المنام تداعبني وتدغدغني بلثغتها الحنون، مال إليها قلبي، فانتفضت من نومي مذعورًا، وتفلت على شمالي ثلاث مرات، ثم قلت: هذه البنت تريد أن ترجعني إلي حياة اللهو مرة أخري!!
وبعد فترة استشهد سعد الرشود، وفتحنا وصيته، وإذا بها ورقة صغيرة: أستحلفكم بالله لا أسمح أنْ تكتبوا عني حرفًا واحدًا لا في مجلة"الجهاد"، ولا في"البنيان المرصوص"، ولا في أي مكان.] [قصص وأحداث: د. عبد الله عزام (بتصرف يسير) ]
• وُلِد حامد آقصر أيلي في مدينة"قيصري"، وسافر في طلب العلم إلى بلاد"الشام"و"تبريز"، ووصل إلى"أدربيل"وهي مدينة في شمالي غرب"إيران"اشتهرت بمكتبتها الكبيرة، وعاشت فترة من الازدهار الثقافي. وهناك التقى العالم الكبير"علاء الدين الأردبيلي"ولازمه، وبقي في خدمته سنوات عديدة؛ فنهل من علمه ودرج مثله في مدارج التصوف والزهد .. ثم رجع وسكن في مدينة"بورصة"، وكانت آنذاك عاصمة الدولة العثمانية، وكان ذلك في عهد السلطان بايزيد الأول.
قضى حامد سنوات عديدة من عمره في مدينة"بورصة"يخبز الخبز (الصمون) في فرنه المتواضع في البيت، ثم يضعه في سلة كبيرة يحملها على ظهره، ويمشي في الأسواق وفي الأزقة، وما إن يراه الصبيان حتى يهتفوا: جاء"صمونجي بابا".. جاء"صمونجي بابا".. وسرعان ما يجتمعون حوله، ويبتاعون منه الخبز .. كان جميع أطفال وصبيان وأهالي"بورصة"يحبونه؛ فوجهه نوراني، وهو بشوش يحب الأطفال ويلاطفهم، وخبزه حار ولذيذ ونظيف.
وعندما بدأ السلطان بايزيد ببناء الجامع الكبير اعتاد عمال البناء شراء الخبز من"صمونجي بابا".. وبعدما اكتمل بناء هذا الجامع الذي يُعد آية من آيات العمارة الإسلامية، وتُعد الآيات الكريمة التي تزينه آية في فن الخط، تقرر افتتاحه بصلاة الجمعة.
وفي يوم الجمعة حضر السلطان بايزيد الأول إلى الجامع مع الوزراء والعلماء، وجمع وفير من أهالي"بورصة"حتى امتلأ هذا الجامع الكبير على سعته، وعندما حان وقت الخطبة، التفت السلطان إلى العالم الكبير أمير سلطان وكلفه بإلقاء الخطبة.
وقف أمير سلطان قرب المنبر، وبدأ يجول ببصره في الحضور، وكأنه يفتش عن أحدهم .. ! أجل .. كان يفتش عن"صمونجي بابا"؛ فهو يعرف قدره وعلمه، وإنْ جهله الناس الذين اعتقدوا أنه ليس إلا رجلًا طيبًا يبيع الخبز .. ! وأخيرًا وقع بصره عليه، ثم قال بصوت سمعه كل الحضور؛ وهو يشير بيده إليه: ليس في هذا الجامع مَن هو أحق مِن هذا الرجل من إلقاء هذه الخطبة!
دهش الحاضرون من هذا الكلام، وبدأوا يتطلعون إلى الجهة التي أشار إليها العالم أمير سلطان، وأحس"صمونجي بابا"بحرج شديد؛ فقد كان يكتم أمره عن الناس طوال هذه السنوات، فلا يعرفون عنه إلا أنه بائع خبز .. ! وها هو أمير سلطان يفاجئه فيكشف أمره للناس .. !
قام من مكانه مضطرًّا واتجه إلى المنبر؛ والأنظار مصوبة إليه .. وقبل أن يصعد إلى المنبر مال على أذن أمير سلطان، وهمس له معاتبًا: ماذا فعلت يا أخي؟! لقد كشفتني أمام الناس جميعًا .. ! فأجابه أمير سلطان بالهمس نفسه: أنت الأجدر بإلقاء هذه الخطبة يا أخي.
صعد العالِم المتخفي على المنبر، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه، قرأ سورة"الفاتحة"، وبدأ بتفسير معانيها الكبيرة من سبعة أوجه، وكانت خطبة وتفسيرًا رائعًا أخذ بمجامع قلوب الحاضرين.