فهرس الكتاب
• بعد أن انتهت محنة العز بن عبد السلام مع الملك الأشرف، أراد الملك أنْ يسترضيه، فقال:"والله لأجعلنه أغنى العلماء"! ولكن العز لم يأبه لذلك، ولم ينتهز هذه الفرصة لمصالحه الشخصية، ولم يقبل درهمًا من الملك، بل رفض الاجتماع به لأمور شخصية.
ولما مرض الملك الأشرف مرض الموت وطلب الاجتماع به ليدعو له، ويقدم له النصيحة اعتبر العز ذلك قربة لله تعالى، وقال: نعم، إن هذه العبادة لمن أفضل العبادات، لما فيها من النفع المتعدي إن شاء الله تعالى. وذهب ودعا للسلطان لما في صلاحه مِن صلاح المسلمين والإسلام، وأمره بإزالة المنكرات، وطلب منه الملك العفو والصفح عما جرى في المحنة، قائلًا: يا عز الدين! اجعلني في حِلٍّ .. ! فقال الشيخ: أما محاللتك فإني كل ليلة أحالل الخلق، وأبيتُ وليس لي عند أحد مظلمة، وأرى أن يكون أجري على الله .. وفي نهاية الجلسة أطلق له السلطان ألف دينار مصرية؛ فردها عليه، وقال: هذه اجتماعة لله لا أكدرها بشيء من الدنيا.
• كان أحمد بن محمد الخراساني النوري صاحب الجنيد إذا رأى منكرًا غَيَّره؛ ولو كان فيه تلفه .. نزل يومًا فرأى زورقًا فيه ثلاثون دَنًّا، فقال للملاح: ما هذا؟ قال: ما يلزمك؟! فألح عليه، فقال: أنت والله كثير الفضول؛ هذا خمر للمعتضد -الخليفة العباسي-قال: أعطني ذلك الْمِدْرَى [1] ، فاغتاظ وقال لأجيره: ناوله حتى أبصر ما يصنع! فأخذه، ونزل فكسرها كلها غير دَنّ! فأُخِذ فأُدخل إلى المعتضد، فقال: مَن أنت .. ويلك؟! قال: محتسب .. ! قال: ومَن ولاك الحسبة؟ قال: الذي ولاك الإمامة يا أمير المؤمنين! فأطرق، وقال: ما حملك على فعلك؟ قال: شفقة مني عليك! قال: وكيف سلم هذا الدن؟ فذكر أنه كان يكسر الدنان ونفسه مخلصة خاشعة، فلما وصل إلى هذا الدن أعجبته نفسه؛ فارتاب فيها؛ فتركه. [نزهة الفضلاء / نقلًا عن موقع"التاريخ"]
• عن علقمة بن مرثد قال: لما وُلِّي عمر بن هبيرة العراق أرسل إلى الحسن وإلى الشعبي فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يُنفِذ كتبًا أعرف أنَّ في إنفاذها الهلكة؛ فإنْ أطعتُهُ عصيتُ الله، وإنْ عصيتُه أطعتُ الله عز وجل .. فهل تريا لي في متابعتي إياه فرجًا؟ قال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير .. فتكلم الشعبي، فانحط في حبل ابن هبيرة!! فقال: ما تقول أنتَ يا أبا سعيد؟ فقال: يا عمر بن هبيرة .. ! يوشك أنْ ينزل بك مَلَك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ لا يعصي الله ما أمره، فيُخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك .. يا عمر بن هبيرة .. ! إنْ تتقِ الله يعصمْك مِن يزيد بن عبد الملك، ولا يعصمك يزيد عبد الملك من الله عز وجل .. يا عمر بن هبيرة .. ! لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت؛ فيغلق بها باب المغفرة دونك .. يا عمر بن هبيرة .. ! لقد أدركتُ ناسًا من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة أشد إدبارًا من إقبالكم عليها وهي مدبرة .. يا عمر بن هبيرة .. ! إني أخوفك مقامًا خوفكه الله تعالى، فقال: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم: 14] يا عمر بن هبيرة .. ! إن تك مع الله تعالى في طاعته كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله وكلك الله إليه ..
قال: فبكى عمر، وقام بعَبرته! فلما كان من الغد أرسل إليهما بجوائزهما، وكثر منه ما للحسن، وكان في جائزته للشعبي بعض الإقتار! فخرج الشعبي إلى المسجد، فقال: يا أيها الناس! مَن استطاع منكم أنْ يؤثر الله تعالى على خلقه؛ فليفعل .. فوالذي نفسي بيده، ما علم الحسن منه شيئًا فجهلتُه، ولكن أردتُ وجه ابن هبيرة؛ فأقصاني الله منه!! [حلية الأولياء]
فاجعلْ رِضَا اللهِ كلَّ القَصدِ تنْجُو؛ فَمَا ... يُغني رِضَا الخَلْقِ والخَلاقُ قد سخطا
هلْ يَبسطونَ لِمَا القهارُ قابِضُهُ ... أوْ يَقْبِضونَ إذا الرحمنُ قد بَسَطَا
(1) قال ابن الأََثير: المِدْرَى والمِدْرَاةُ شيء يُعْمَل من حديد أَو خشب، على شكل سنّ مِن أَسْنان المُشْطِ، وأَطْولُ منه يُسَرَّحُ به الشَّعر المُتَلَبِّد، ويَستَعمله مَن لم يكن له مُشْط. وقال الليث: المِدْراةُ حديدة يُحَكُّ بها الرأْس، ويُقال: مِدْرىً بغير هاء، ويُشَبَّه قَرْنُ الثَّوْرِ به. [لسان العرب]
والدَّنّ كهيئة الحُبّ، والجمع الدِّنان وهي الحِباب، وقيل الدَّنُّ أَصغر من الحُبّ. والحُبُّ الجَرَّةُ الضَّخْمةُ. وقال ابن دريد: هو الذي يُجْعَلُ فيه الماءُ، وهو فارِسيّ مُعَرّب. [لسان العرب]