الصفحة 31 من 103

• عن عبدة بن سليمان قال: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز .. فخرج إليه رجل فطارده ساعة؛ فطعنه؛ فقتله. ثم آخر فقتله .. ثم دعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة؛ فطعنه؛ فقتله .. فازدحم عليه الناس، وكنت فيمن ازدحم عليه؛ فإذا هو ملثم وجهه بكُمِّه! فأخذتُ بطرف كُمِّه فمددتُه؛ فإذا هو عبد الله بن المبارك. فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يُشَنِّع علينا؟! [صفة الصفوة]

• التقى سفيان والفضيل، فتذاكرا، فبكيا، فقال سفيان: إني لارجو أن يكون مجلسنا هذا أعظم مجلس جلسناه بركة. فقال له فضيل: لكني أخاف أن يكون أعظم مجلس جلسناه شؤمًا؛ أليس نظرتُ إلى أحسن ما عندك، فتزينتَ به لي، وتزينتُ لك؟! فبكى سفيان حتى علا نحيبه، ثم قال: أحييتني؛ أحياك الله. [سير أعلام النبلاء]

• وهذا خالد بن معدان الحِمصي، عالم أهل بلده في زمانه. قال صفوان بن عمرو: سمعتُه يقول: لقيتُ سبعين صحابيًا. وقال بحير: ما رأيتُ أحدًا ألزم للعلم منه، وكان علمه في مصحف له أزرار وعُرى. وقال صفوان: كان إذا عظمت حلقته قام خوف الشهرة. وقال سفيان الثوري: ما أُقدِّم على خالد بن معدان أحدًا. ويُروى أنه كان يُسَبِّح في اليوم سبعين ألف مرة. وعنه قال: لو كان للموت غاية تُعرف ما سبقني أحد إليه إلا بفضل قوة. [تذكرة الحفاظ]

• دخل عبد الله بن محيريز دكانًا يريد أن يشتري ثوبًا، فقال رجل قد عرفه لصاحب الدكان: هذا ابن محيريز؛ فأحسِن بيعه! فغضب ابن محيريز، وطرح الثوب وقال: إنما نشتري بأموالنا، لسنا نشتري بديننا.

• أخرج ابن أبي الدنيا في"المرض والكفارات"عن ابن المبارك، قال: عمل أبو الربيع مِقْنَعَة [1] ؛ مكث فيها أيامًا يُحكِم صنعتها، حتى فرغ منها، فجاء بها إلى البزاز (2) ، فألقاها إليه يبيعها، فأخرج فيها عيبًا وردها عليه؛ فقعد ناحية يبكي بكاء حارًّا .. ! فمر به أخوان له فقالوا: يا أبا الربيع! ما يبكيك؟ قال: لا تسألوني .. قالوا: وكيف لا نسألك وقد سمعنا بكاؤك؟! قال: إن هذه بيدي منذ كذا وكذا، لم آلُ أنْ أُحكِم صنعتها، فجئتُ بها إلى هذا البزاز؛ فأخرج عليّ فيها عيبًا، وضرب بها وجهي؛ فكم من عمل لي أرى أنه قد صح لي عند ربي عز وجل؛ غدًا يُخرِج عليّ عيوبه؛ يضرب به وجهي! قال: فقعدوا معه وجعلوا مأتما يبكون معه.

• كان رجل يخرج في زي النساء، ويحضر كل موضع يجتمع فيه النساء من عرس أو مأتم .. فاتفق أنْ حضر يومًا موضعًا فيه مجمع للنساء، فسُرقَت دُرَّة فصاحوا أنْ: أغلقوا الباب حتى نفتش! فكانوا يفتشون واحدة .. واحدة .. حتى بلغت النوبة إلى الرجل وإلى امرأة معه .. فدعا الله تعالى بالإخلاص، وقال: إن نجوتُ مِن هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا! فوُجِدَت الدُّرة مع تلك المرأة؛ فصاحوا أنْ: أطلقوا الحرة فقد وجدنا الدُّرة!

• قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت"فضيلًا"ليلة وهو يقرأ سورة"محمد"ويبكي، ويردد هذه الآية: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد:31] وجعل يقول: (ونبلو أخباركم) ، ويرددها، ويقول: وتبلو أخبارنا .. ؟! إن بلوتَ أخبارنا فضحتَنا، وهتكتَ أستارنا .. إن بلوتَ أخبارنا أهلكتَنا وعذبتَنا ..

وسمعته يقول: تزينتَ للناس، وتصنعتَ لهم، وتهيأتَ لهم، ولم تزل ترائي حتى عرفوك؛ فقالوا: رجل صالح .. فقضوا لك الحوائج، ووسعوا لك في المجلس، وعظَّموك .. ! خيبة لك .. ! ما أسوأ حالك؛ إن كان هذا شأنك!

وسمعته يقول: إنْ قدرتَ أنْ لا تُعرَف فافعل. وما عليك أن لا تُعرَف؟! وما عليك إنْ لم يُثنَ عليك؟! وما عليك أنْ تكون مذمومًا عند الناس إذا كنتَ عند الله محمودًا؟! [التوابين]

• قال الحفاظ: رأينا الإمام أحمد نزل إلى سوق بغداد، فاشترى حزمة من الحطب، وجعلها على كتفه، فلما عرفه الناس، ترك أهل المتاجر متاجرهم، وتوقف المارة في طرقهم يسلمون عليه، ويقولون: نحمل عنك الحطب .. فهز يده، واحمر وجهه، ودمعت عيناه وقال: نحن قوم مساكين؛ لولا ستر الله لافتضحنا .. !

• ذكر ابن الجوزي في"صيد الخاطر"أن أبا عمرو بن نجيد سمع أبا عثمان المغربي يقول يومًا على المنبر: عليّ ألف دينار، وقد ضاق صدري. فمضى أبو عمرو إليه في الليل بألف دينار، وقال: اقضِ دَيْنَك.

فلما عاد وصعد المنبر، قال: نشكر الله لأبي عمرو؛ فإنه أراح قلبي، وقضى ديني .. فقام أبو عمرو وقال: أيها الشيخ! ذلك المال كان لوالدتي، وقد شق عليها ما فعلتُ! فإن رأيتَ أن تتقدم برده فافعل!

فلما كان في الليل عاد إليه، وقال له: لماذا شهرتني بين الناس؟ أنا ما فعلت ذلك لأجل الخلق؛ فخذه ولا تذكرني!

ماتوا وغُيِّبَ في الترابِ شخوصُهم ... فالنشرُ مسكٌ والعظامُ رميمُ

(1) القِناع والمِقْنَعة ما تتَقَنَّعُ به المرأَة من ثوب تُغَطِّي رأْسَها ومحاسِنَها. ... (2) البزاز: بائع البَز أي الثياب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت