فهرس الكتاب
ومَن كان بهذه الرتبة؛ فمتى تواضع لغير الله أخل بمركز الأدب، واستبدل الخزف بالذهب .. فيا من تعملون لغير وجه الله يا ضيعة أعمالكم، ويا من تقفون بغير باب الله يا طول هوانكم، ويا من تؤملون في غير فضل الله يا خيبة آمالكم ..
الأسباب كلها منقطعة إلا أسبابه، والأبواب كلها مغلقة إلا أبوابه .. فسلام الله ورحمته وبركاته على هِمَم لا يُرضيها إلا قرب الله ومرضاته ..
أقباس نورانية من أخبار المخلصين:
• عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"انطلق ثلاثةُ نفرٍ ممن كان قبلَكم، حتى آواهمُ المبيتُ إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرتْ صخرةٌ مِنَ الجبلِ، فسَدَّتْ عليهِمُ الغارَ، فقالوا: إنه لا يُنجِيكمْ مِن هذهِ الصخرةِ إلا أنْ تدعوا اللهَ بصالحِ أعمالِكم. قال رجلٌ منهم: اللهمَّ كان لي أبوانِ شيخانِ كبيرانِ، وكنتُ لا أغبُقُ قبلَهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلبُ الشجرِ يومًا، فلم أُرِحْ عليهِما حتى ناما، فحلبتُ لهما غَبوقَهما، فوجدتُهما نائمَينِ، فكرهتُ أن أوقظَهما وأنْ أغبُقَ قبلَهما أهلًا أو مالًا، فلبِثتُ والقَدَحُ على يدي أنتظرُ استيقاظَهما حتى برقَ الفجرُ، والصِّبيَةُ يَتضاغَونَ عندَ قدميَّ، فاستيقظا فشربا غَبوقَهما .. اللهمَّ إنْ كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِكَ، ففَرِّجْ عنا ما نحن فيه مِن هذهِ الصخرةِ؛ فانفرجتْ شيئًا لا يستطيعون الخروجَ .. وقال الآخرُ: اللهمَّ كانت لي ابنةُ عمٍّ كانت أحبَّ الناسِ إليَّ، -وفي رواية:"كنتُ أحبُّها كأشدِّ ما يحبُّ الرجالُ النساءَ- فأردتُها على نفسِها، فامتنعتْ مني، حتى ألمَّتْ بها سَنَةٌ مِنَ السنينَ، فجاءتني، فأعطيتُها عشرينَ ومائةَ دينارٍ، على أنْ تُخَلِّيَ بيني وبين نفسِها؛ ففعلتْ، حتى إذا قدرتُ عليها، -وفي رواية:"فلما قعدتُ بينَ رِجلَيْها- قالتْ: اتقِ اللهَ ولا تَفُضَّ الخاتمَ إلا بحقِّهِ، فانصرفتُ عنها وهي أحبُّ الناسِ إليَّ، وتركتُ الذهبَ الذي أعطيتُها .. اللهمَّ إنْ كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك، فافرُجْ عنَّا ما نحنُ فيهِ؛ فانفرجتِ الصخرةُ، غيرَ أنهم لا يستطيعونَ الخروجَ منها .. وقالَ الثالثُ: اللهمَّ استأجرتُ أجراءَ وأعطيتُهم أجرَهم غيرَ رجلٍ واحدٍ تركَ الذي له وذهبَ، فثمَّرتُ أجرَهُ حتى كثرتْ منهُ الأموالُ، فجاءني بعدَ حِينٍ فقال: يا عبدَ اللهِ .. أدِّ إليَّ أجري. فقلتُ: كلُّ ما تَرى مِن أجرِكَ؛ مِنَ الإبلِ والبقرِ والغنمِ والرقيقِ .. فقالَ: يا عبدَ اللهِ .. لا تستهزئْ بي! فقلتُ: لا أستهزئُ بكَ. فأخذَهُ كلَّهُ فاستاقَهُ، فلم يترُكْ منهُ شيئًا .. اللهمَّ إنْ كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِكَ فافرُجْ عنَّا ما نحنُ فيهِ؛ فانفرجتِ الصخرةُ؛ فخرجوا يمشون". [متفق عليه]
• وهذا عبد الله بن الأرقم أسلم عام الفتح، وكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر خمسين وسقًا، واستعمله عمر على بيت المال، وعثمان بعده، ثم إنه استعفى عثمان من ذلك فأعفاه.
ولما استكتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمن إليه، ووثق به؛ فكان إذا كتب له إلى بعض الملوك يأمره أن يختمه ولا يقرأه لأمانته عنده.
روى مالك قال: بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم -وهو على بيت المال- بثلاثين ألفًا؛ فأبى أن يقبلها! وروى عمر بن دينار أن عثمان أعطاه ثلاثمائة ألف درهم؛ فأبى أن يقبلها، وقال: عملتُ لله، وإنما أجري على الله.
وكان عمر - رضي الله عنه - يقول: ما رأيت أخشى لله تعالى من عبد الله بن الأرقم. [أُسد الغابة]
• قال جابر بن عبد الله - رضي الله عنه: والذي لا إله إلا هو .. ما اطلعنا على أحد من أهل"القادسية"أنه يريد الدنيا مع الآخرة.
• قال الذهبي: يقول ابن فارس عن أبي الحسن القطان: أُصِبتُ ببصري، وأظن أني عوقبت بكثرة كلامي أثناء الرحلة! قال الذهبي: صدق والله؛ فإنهم كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالبًا يخافون من الكلام وإظهار المعرفة.
• قال هشام الدستوائي: والله .. ما أستطيع أنْ أقول إني ذهبتُ يومًا قط أطلب الحديث؛ أريد به وجه الله عز وجل.
• قال حماد بن زيد: كان أيوب ربما حدَّث في الحديث؛ فيرقّ وتدمع عيناه، فيلتفت و يتمخط، ويقول: ما أشد الزكام!! فيُظهِر الزكام لإخفاء البكاء.
• قال الحسن البصري: إنْ كان الرجل ليجلس المجلس، فتجيئه عَبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه؛ قام وذهب، وبكى في الخارج.