فهرس الكتاب
و[كل طاعة رضيتَها فهي عليك، وكل معصية عيرتَ بها أخاك فهي إليك .. ! فرضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقوق العبودية، وعدم علمه بما يستحقه الرب جل جلاله، ويليق أن يعامَل به. وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يُعامل به يتولد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها، ويتولد من ذلك من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة مِن الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها ..
قال بعض العارفين: متى رضيتَ نفسك وعملك لله؛ فاعلم أنه غير راضٍ به، ومَن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر، وعمله عُرضَة لكل آفة ونقص؛ كيف يرضى لله نفسه وعمله؟!
ولله دَرُّ الشيخ أبي مدين حيث يقول: مَن تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء، وأحواله بعين الدعوى، وأقواله بعين الافتراء. وكلما عظم المطلوب في قلبك صغرت نفسك عندك، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله وعرفت النفس؛ تبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للمَلِك الحق؛ ولو جئت بعمل الثقلين خشيتَ عاقبته، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله.] [مدارج السالكين]
عن سليمان بن يسار قال: خطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الناس في زمان الرمادة، فقال: أيها الناس! اتقوا الله في أنفسكم وفيما غاب عن الناس من أمركم، فقد ابتُلِيتُ بكم وابتُلِيتُم بي؛ فما أدري ألِسخطةٍ عليَّ دونكم أو عليكم دوني؟! أو قد عمتني وعمتكم؟! فهلموا فلنَدْعُ الله يُصلح قلوبنا، وأنْ يرحمنا، وأنْ يرفع عنا الْمَحْلَ [1] .. قال: فرُئي عمر يومئذ رافعًا يديه يدعو الله، ودعا الناس، وبكى وبكى الناس مَليًّا، ثم نزل. [الطبقات الكبرى]
قام عمر بن عبد العزيز وخطب الناس فكان مما قال: اتقوا الله قبل حلول الموت بكم إني لأقول هذا وما أعلم أحد عنده من الذنوب أكثر مما عندي. ثم خنقته عبرته فأخذ طرف ردائه فوضعه على وجهه يبكي، فما بقي أحد إلا بكى لبكائه، ولم يخطب بعدها.
وروي أن أبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - أمَّ قومًا مرة، فلما انصرف قال: ما زال الشيطان بي آنفًا حتى أريتُ أنَّ لي فضلًا عن غيري؛ لا أؤم أبدًا.
وهذا بكر بن عبد الله يقول: إن رأيتُ مَن هو أكبر مني سنًّا قلتُ: سبقني بالإيمان والعمل الصالح؛ فهو خير مني .. وإنْ رأيتُ مَن هو أصغر مني فأقول: سبقتُه إلى الذنوب والمعاصي؛ فهو خير مني .. وإنْ أكرمني إخوتي قلتُ: تفضلوا عليّ؛ فجزاهم ربي خيرًا .. وإنْ أهانني إخوتي قلتُ: ذاك لذنب أصبتُه، وعهد بيني وبين الله ضيعتُه ..
ورُوي أن ابن سلام حمل حزمة من حطب، فقيل له: يا أبا يوسف! قد كان في بنيك وغلمانك ما يكفونك هذا! فقال: أردتُ أنْ أُجرِّب نفسي؛ هل تنكره؟!
قال ابن القيم[ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره. وكان يقول كثيرا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء.
وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول:"والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمتُ بعد إسلامًا جيدًا"!! وبعث إليّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:
أنا الفقيرُ إلى رَبَّ البرياتِ ... أنا المسكينُ في مجموعِ حالاتي
أنا الظلومُ لنفسي وهي ظالمتي ... والخيرُ إنْ يأتِنا مِن عِندِهِ ياتي
لا أستطيعُ لنفسي جَلب مَنفَعَةٍ ... ولا عنِ النفسِ لي دَفْعُ المَضَرَّاتِ
والفقرُ لي وَصْفُ ذاتٍ لازِمٌ أبدًا ... كما الغِنَى أبدًا وَصْفٌ له ذاتي
وهذهِ الحالُ حالُ الخلقِ أجمعِهِم ... وكلُّهُم عِندَهُ عبدٌ لهُ آتي] [2]
قال عبد العزيز بن أبي رواد: جاورتُ هذا البيت ستين سنة، وحججتُ ستين حجة .. فما دخلتُ في شىء من أعمال الله تعالى إلا وحاسبتُ نفسي؛ فوجدتُ نصيب الشيطان أوفى مِن نصيب الله؛ ليتَه لا ليّ، ولا عليّ!! ... وقال الغزالي في"الإحياء": إذن علاج الإخلاص كسر حظوظ النفس، وقطع الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب؛ فإذا ذاك يتيسر الإخلاص.
فيا عباد الله ..
المخلصون قوم فرغ الله قلوبهم، وجعل رحيق محبته مشروبهم، وأطال على باب خدمته وقوفهم، وجعل رضاه وقربه مطلوبهم، وغضبه وبعده مخوفهم .. فهم من خشيته مشفقون، ومن هيبته مطرقون .. إن تواضعوا فلرفعته، وإن تذللوا فلعزته، وإن خضعوا فلعظمته .. إلى الله افتقارهم، وبالله افتخارهم، وإلى الله استنادهم .. هو كنزهم وعزهم، وفخرهم وذخرهم، ومعبودهم ومقصودهم ..
(1) المَحْل: الشدّة، والجوع الشديد وإن لم يكن جَدْب. والمَحْل نقيض الخِصْب، جمعه: مُحول وأَمْحال. والمَحْل: الجدب، وهو انقطاع المطر ويُبْسُ الأَرض من الكَلإ. [لسان العرب]
(2) مدارج السالكين