الصفحة 28 من 103

وروى مسلم في صحيحه عن أبي بُرْدَة عن أبي موسى قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غَزَاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نَعتَقِبُه، قال: فَنَقِبَتْ أقدامنا [1] ، فنَقِبَتْ قدمايَ، وسقطت أظفاري، فكنا نَلُفُّ على أرجلنا الْخِرَقَ؛ فسميت غزوة"ذات الرِّقاع"لِمَا كنا نُعَصِّبُ على أرجلنا من الْخِرَقِ.

قال أبو بُرْدَة: فحدَّث أبو موسى بهذا الحديث، ثُم كره ذلك، قال: كأنه كره أنْ يكون شيئًا من عمله أفشاه.

قال محمد بن أعين -وكان صاحب ابن المبارك في أسفاره-: كنا ذات ليلة ونحن في غزو الروم، فذهب عبد الله بن المبارك ليضع رأسه ليريني أنه ينام، فوضعت رأسي على الرمح لأريه أني أنام كذلك .. فظن أني قد نمت؛ فقام فأخذ في صلاته، فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر وأنا أرمُقُه .. فلما طلع الفجر أيقظني، وظن أني نائم، وقال: يا محمد! فقلتُ: إني لم أنم .. فلما سمعها مني ما رأيته بعد ذلك يُكلمني، ولا ينبسط إليَّ في شيء من غزاته كلها؛ كأنه لم يعجبه ذلك مني لما فطنتُ له من العمل! فلم أزل أعرفها فيه حتى مات، ولم أر رجلًا أسرَّ بالخير منه.

وقال ابن عيينة: كان المطرِّف بن عبد الله إذا حدَّث بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - يشتدُّ عليه البكاء وهو في حلقته، فكان يشدُّ العمامة على عينه ويقول: ما أشدَّ الزكام .. ما أشدَّ الزكام .. !

قال الأعمش: كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقرأ في المصحف، فاستأذن عليه رجل؛ فغطّى المصحف، وقال: لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة.

اتهام النفس: قال السوسي: الإخلاص فقد رؤية الإخلاص، فإنّ مَن شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص.

[ذكر ابن أبي الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة فأُتي في منامه فقيل له: إنّ فلانًا الإسكافي خير منك! ليلة بَعد ليلة .. ! فأتى الإسكافي، فسأله عن عمله، فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننتُ أنه في الجنة وأنا في النار! ففُضِّل على الراهب بإزرائه على نفسه.

وذُكر داود الطائي عند بعض الأمراء، فأثنوا عليه، فقال: لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذكرنا لسان بخير أبدًا.

وقال أبو حفص: مَن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يَجُرَّها إلى مكروهها في سائر أوقاته؛ كان مغرورًا .. ومَن نظر إليها باستحسان شىء منها فقد أهلكها.

فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء .. فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة؛ فالنعمة التي لا خطر لها الخروج منها، والتخلص من رِقِّها؛ فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى. وأعرف الناس بها أشدهم إزراءً عليها، ومقتًا لها.

قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود عن الصلت بن دينار، حدثنا عقبة بن صهبان الهنائي قال: سألتُ عائشة - رضي الله عنها - عن قول الله عز وجل: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) [فاطر: 32] ، فقالت: يا بُنَيّ! هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمَن مضى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، شهد له رسول - صلى الله عليه وسلم - بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمَن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم .. فجعلت نفسها معنا!

ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله تعالى في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو بالعمل.

ذكر الإمام أحمد عن وهب أنَّ رجلًا سائحًا عبَدَ اللهَ عز وجل سبعين سنة، ثم خرج يومًا فقلَّل عمله، وشكا إلى الله تعالى منه، واعترف بذنبه .. فأتاه آتٍ مِن الله فقال: إنَّ مجلسك هذا أحب إليَّ مِن عملك فيما مضى مِن عمرك.

وفي كتاب الزهد للإمام أحمد أنَّ رجلًا مِن بني إسرائيل تعبد ستين سنة في طلب حاجة؛ فلم يظفر بها! فقال في نفسه: والله .. لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك. فأُتِي في منامه فقيل له: أرأيتَ ازدراءك نفسك تلك الساعة؛ فإنه خير مِن عبادتك تلك السنين.] [إغاثة اللهفان]

وقال ابن الجوزي في"صيد الخاطر":[إنما نحذر عليك أن ترى نفسك خيرًا من ذلك الشخص المؤمن وإن قل علمه. فإن الخيرية بالمعاني لا بصور العلم والعباد.

ومَن تلمح خصال نفسه وذنوبها علم أنه على يقين من الذنوب والتقصير، وهو من حال غيره على شك. فالذي يحذر منه الإعجاب بالنفس، ورؤية التقدم في أحوال الآخرة، والمؤمن الحق لا يزال يحتقر نفسه.

وقد قيل لعمر بن عبد العزيز: إن مت ندفنك في حجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك أحب إليَّ من أن أرى نفسي أهلا لذلك.]أ. هـ

(1) نَقِبَتْ أقدامُنا أَي: رَقَّتْ جُلودُها من المَشْي. ونَقِبَ الخُفُّ الملبوسُ نَقَبًا أي: تَخَرَّقَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت