الصفحة 27 من 103

فأقول: إذا كان بإمكانك أن تغير البيت الأخير بقولك:

ما دام منهاجُنا نهجُ الأُلى سلفوا ... بمثلِها يُرتَجَى التأييدُ والظفرُ

فهذا طيب. أنا أنصحكم من الآن وبعد الآن ألا تجعلوا الحق مربوطًا بالرجال: أولا: لأنهم قد يضلون، فهذا ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: مَن كان مُستنًّا فليستن بمَن مات؛ فإنَّ الحي لا تؤمَن عليه الفتنة.

ثانيا: أنه سيموت، ليس فينا أحدٌ يبقى أبدًا! (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُون) [الأنبياء: 34]

وثالثا: أنه ربما يغتر إذا رأى الناس يبجِّلونه ويكرمونه ويلتفون حوله، ربما ظن أنه معصوم، ويدَّعي لنفسه العصمة، وأن كل شيء يفعله فهو حق، وكل طريق يسلكه فهو مشروع، ولا شك أنه يحصل بذلك هلاكه، ولهذا امتدح رجلٌ رجلًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له:"ويحَكَ، قطعتَ عُنُقَ صاحبِكَ".

وأنا أشكر الأخ على ما يبديه من الشعور نحوي، وأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنه أو أكثر، ولكن لا أحب المديح. [وقفات في حياة الشيخ ابن عثيمين]

وروى الذهبي في سِيَره عن المروذي قال: قلت لأبي عبد الله [1] : ما أكثر الداعي لك! قال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا؛ بأي شئ هذا؟! وقلت له: قدم رجل من"طرسوس"فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل، رفعوا أصواتهم بالدعاء: ادعوا لأبي عبد الله، وكنا نمد المنجنيق، ونرمي عن أبي عبد الله. ولقد رمي عنه بحجر، والعلج على الحصن متترس بدَرَقة فذهب برأسه وبالدرقة.

قال: فتغير وجه أبي عبد الله، وقال: ليته لا يكون استدراجًا. قلت: كلا.

نسيان العمل بعد عمله: ويبقى الهم همًا واحدًا؛ هل تُقُبل هذا العمل أم لم يتقبل؟

قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: كونوا لقبول العمل أشد هَمًّا منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين) [المائدة: 27]

و[من أراد أن يجد ثواب عمله في الآخرة، ينبغي له أن يكون عمله خالصًا لله تعالى بغير رياء، ثم ينسى ذلك العمل لكيلا يبطله العُجب؛ لأنه يقال: حفظ الطاعة أشد من فعلها.

قال أبو الواسطي: حفظ الطاعة أشد من فعلها؛ لأن مثلها كمثل الزجاج؛ سريع الكسر، ولا يقبل الجبر. كذلك العمل إن مسه الرياء كسره .. إذا مسه العُجب كسره .. ] [تنبيه الغافلين]

وقال ابن عطاء الله السكندري: لا عمل أرجى للقبول مِن عمل يَغيب عنك شهودُه، ويُحتقَر عندك وجودُه.

أي لا عمل من أعمال البر أكثر رجاءً لقبول الله له مِن عمل يغيب عنك شهوده؛ لأنك إنْ غبت عن شهود عملك فقد بقيتَ حينئذ بربك، وصار وجود العمل محتقَرًا عندك لاتهامك لنفسك في القيام بحقه. ولذا قال بعض العارفين: كل شيء من أفعالك إذا اتصلت به رؤيتُك؛ فذلك دليل على أنه لا يُقبَل منك؛ لأن المقبول مرفوع مُغَيَّب عنك، وما انقطعتْ عنه رؤيتُك فذلك دليل على القبول. يشير إلى قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10]

إخفاء ما يمكن إخفاؤه من الطاعات: خوفًا من دواعي السُّمْعَة والرياء؛ فمن استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل.

قال الفضيل بن عياض: خير العمل أخفاه؛ أمنعه من الشيطان، وأبعده من الرياء.

وسُئل بعض السلف: مَن المخلِص؟ فقال: المخلِص الذي يَكتم حسناته كما يَكتم سيئاته.

فالمخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله.

وصلاحُ الأَجْسادِ سهلٌ ولكنْ ... في صَلاحِ القلوبِ يَعيا الطبيبُ

قال الحسن: إنْ كان الرجل ليجمع القرآن ولم يشعر به الناس، وإنْ كان الرجل لينفق النفقة الكثيرة ولم يشعر به الناس، وإنْ كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته ولم يشعر به الناس، ولقد أدركت أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا.

وعنه أيضًا قال: إنْ كان الرجل لتكون له الساعة يخلو فيها؛ فيصلي، ويوصي أهله فيقول: إنْ جاء أحد يطلبني فقولوا: هو في حاجة له!

قال محمد بن واسع: لقد أدركتُ رِجالًا؛ كان الرجل يكون رأسه ورأس امرأته على وِساد واحد؛ قد بَلَّ ما تحت خده مِن دموعه؛ لا تشعر به امرأته .. واللهِ .. لقد أدركتُ رِجالًا؛ كان أحدهم يقوم في الصف، فتسيل دموعه على خده؛ لا يشعر الذي إلى جنبه.

وذكر ابن أبي الدنيا أنهم كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يظهر الرجل أحسن ما عنده.

وقال بشر بن الحارث: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يُحب أن يَعرفه الناس.

قال سفيان الثوري: وجدت قلبي يصلح بمكة والمدينة مع قوم غرباء، عليهم أكسية غليظة، لا يعرفونني فأعيش في وسطهم لا أُعرف، كأنني رجل من فقراء المسلمين وعامتهم.

(1) الإمام أحمد بن حنبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت