الصفحة 45 من 103

صام القلب واتقى إذا جرد العبودية لله وحده، خضع لجلاله، وسعى لقربه، وأنس بمناجاته. خلص من الشرك، وسلم من البدع، وتطهر من المعاصي. قلب تقي يرى الهوى والشهوة، والظن والبغي، والعداوة والبغضاء، والغل والحسد والجدل والِمراَء أمراضًا قلبية فتاكة تقتل الأفراد وتهلك الأمم. القلب التقي يرفضها ويأباها ويتقيها، وصيامه ينفيها ويجفوها.

قلب صائم متدين لله بالطاعة، مستسلم له بالخضوع والاستجابة، منقاد لتنفيذ الشرع في الأمر والنهي. عبودية لله خالصة لا يصرفه عنها شهوة ولا شبهة، ولا يشوش عليه فيها أمان ولا طمع، قلب قوي تقي، لله صلاته وصيامه ونسكه ومحياه ومماته.

وإذا صلح القلب صلحت الجوارح، فقامت بحق الطاعة وكفت عن الآثام. فالبطن محفوظ وما حوى، ترك الطعام والشراب والشهوة من أجل الله، تُقًى عالٍ يقي النفس جماح غرائزها، وإرادة مستعلية مستحكمة تأخذ أمر ربها بقوة، وتزدجر عن النواهي باستسلام.] [من خطبة لفضيلة الشيخ/ صالح بن حميد]

قال عمر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار وقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله، فمَن رُزق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير.

ويتحقق قوله تبارك وتعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) إذا تقرب العباد إليه سبحانه [بترك ما حرم الله في كل حال؛ من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بهِ فليسَ للهِ حاجةً في أنْ يَدَعَ طعامَه وشرابَه". [رواه البخاري] ، وفي حديث آخر:"ليس الصيامُ مِنَ الطعامِ"

والشرابِ إنما الصيامُ من اللغوِ والرَّفَث". [رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه الألباني] "

قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الشراب والطعام. وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.

إذا لم يكن في السمعِ منى تصاونٌ ... وفى بصري غضٌّ وفي مَنطقي صمتُ

فحظي إذًا من صوميَ الجوعُ والظما ... وإنْ قلتُ إني صمتُ يومي فما صمت ُ

وقال النبي:"رُبَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامِه الجوعُ والعطشُ، ورُبَّ قائمٍ حظُّه مِن قيامِه السهرُ". [رواه ابن ماجه والنسائي وابن خزيمة، وقال الألباني: حسن صحيح]

وسر هذا أن التقرب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات؛ فمَن ارتكب المحرمات ثم تقرب إلى الله تعالى بترك المباحات كان بمثابة مَن يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل؛ وإن كان صومه مجزئا عند الجمهور؛ بحيث لا يؤمر بإعادته لأن العمل إنما يَبطل بارتكاب ما نُهي عنه فيه لخصوصه؛ دون ارتكاب ما نُهي عنه لغير معنى يختص به. هذا هو قول جمهور العلماء.

ولهذا المعنى -والله أعلم- ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشراب على الصائم بالنهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أن مَن امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل؛ فإنه محرم بكل حال، لا يباح في وقت من الأوقات. [لطائف المعارف (ملخصًا) ]

حفظ الجوارح من تمام التقوى

القلب ملك الأعضاء

قال تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36]

الفؤاد هو القلب، وهو لهذه الأعضاء كالملِك المتصرف في الجنود؛ فكلها تحت مشيئته وقهره؛ تكتسب منه الزيغ والاستقامة، كما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغَةً إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّهُ؛ ألا وهي القلبُ". [متفق عليه]

يقول د. خالد الجبير: [وكما أن القلب لأعضاء الجسم هو الملك المتصرف فيها؛ إذا صلح معنويًا صلحت باقي أعضاء الجسم وجوارحه، كذلك إذا مرض القلب عضويًا، وأصيب بأحد الأمراض التي تؤثر على وظيفته؛ فإن باقي أعضاء الجسم الأخرى تتأثر، فالرئة تمتلئ بالماء وتتأثر وظيفتها، ويتضخم الكبد وتتأثر وظيفته، وكذلك الكلى قد تتوقف، وتقل الهمة، وتزيد الغمة، وتتورم الأطراف، وينتفخ البطن، ويجهد المخ .. إذًا هو تأثير القلب؛ الذي هو فعلًا ملك الأعضاء، والمسيطر على صحتها؛ إذا صلح صلحت، وإذا فسد فسدت.] [من محاضرة أمراض القلوب]

ومن هنا كان الحرص على سلامة القلب؛ فإنه دليل النجاة (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم) [الشعراء: 88 - 89]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت