فهرس الكتاب
قال الفخر الرازي:[في هذا الاستثناء وجوه: أحدها: أنه إذا قيل لك: هل لزيد مال وبنون؟ فتقول: مالُهُ وبنوه سلامة قلبه؛ تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلًا عن ذلك، فكذا في هذه الآية. وثانيها: أن نحمل الكلام على المعنى ونجعل (المال والبنين) في معنى (الغنى) ؛ كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا غنى مَن أتى الله بقلب سليم؛ لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. وثالثها: أن نجعل (مَن) مفعولًا لـ (ينفع) ، أي لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلًا سلم قلبه مع ماله؛ حيث أنفقه في طاعة الله تعالى، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين، ويجوز على هذا (إلا مَن أتى الله بقلب سليم) مِن فتنة المال والبنين.
أما (السليم) فالمراد منه سلامة القلب عن الجهل والأخلاق الرذيلة؛ وذلك لأنه كما أن صحة البدن وسلامته عبارة عن حصول ما ينبغي من المزاج والتركيب والاتصال، ومرضه عبارة عن زوال أحد تلك الأمور؛ فكذلك سلامة القلب عبارة عن حصول ما ينبغي له وهو العلم والخلق الفاضل، ومرضه عبارة عن زوال أحدهما .. فقوله: (إلا مَن أتى الله بقلب سليم) أنْ يكون خاليًا عن العقائد الفاسدة والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها. فإن قيل: فظاهر هذه الآية يقتضي أن مَن سلم قلبه كان ناجيًا، وأنه لا حاجة فيه إلى سلامة اللسان واليد .. جوابه: أن القلب مؤثر، واللسان والجوارح تبع؛ فلو كان القلب سليمًا لكانا سليمين لا محالة، وحيث لم يسلما ثبت عدم سلامة القلب.] [مفاتيح الغيب]
[والقلب السليم هو الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له، وهو ضد المريض والسقيم والعليل. وقد اختلفت العبارات في معنى القلب السليم. والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم مِن كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومِن كل شبهة تعارض خبره؛ فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فالقلب السليم هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلًا وإنابة، وإخباتًا وخشية ورجاءً .. وخلص عمله لله؛ فإن أحب أحب في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله .. ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل مَن عدا رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فيعقد قلبه معه عقدًا محكمًا على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب؛ وهي العقائد، وأقوال اللسان؛ وهي الخبر عما في القلب، وأعمال القلب؛ وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح .. فيكون الحاكم عليه في ذلك كله؛ هو ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
قال بعض السلف: ما مِن فعلة وإنْ صغرت، إلا يُنشر لها ديوانان: لِمَ .. ؟ وكيف .. ؟
أي: لِمَ فعلتَ؟ وكيف فعلتَ؟ فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس، أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل، أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه .. ؟ ومحل هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟؟ والثاني: سؤال عن متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك التعبد؛ أي: هل كان ذلك العمل مما شرعتُه لك على لسان رسولي، أم كان عملًا لم أشرعه، ولم أرضه؟؟
فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة؛ فإن الله سبحانه لا يقبل عملًا إلا بهما .. وطريق التخلص من السؤال الأول بتجريد الإخلاص، وطريق التخلص من السؤال الثاني بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع .. فهذا حقيقة سلامة القلب الذي ضُمنت له النجاة والسعادة.] [إغاثة اللهفان (بتصرف يسير) ]