فهرس الكتاب
فـ [القلب هو العالم بالله، وهو المتقرب إلى الله، وهو العامل لله، وهو الساعي إلى الله، وإنما الجوارح أتباع وخدم وآلات يستخدمها القلب، ويستعملها استعمال المالك للعبد، واستخدام الراعي للرعية، والصانع للآلة .. فالقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقًا بغير الله، وهو المطالَب، وهو المخاطَب، وهو المعاتَب، وهو الذي يسعد بالقرب من الله؛ فيفلح إذا زكاه، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه، وهو المطيع بالحقيقة لله تعالى وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره، وهو العاصي المتمرد على الله تعالى وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره .. وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه؛ إذ كل إناء ينضح بما فيه .. وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه، وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه .. ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل؛ إذ أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم؛ فإن الله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته، وكيفية تقلبه بين أصبعين مع أصابع الرحمن، وأنه كيف يهوي مرة إلى أسفل السافلين، وينخفض إلى أفق الشياطين، وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين .. ] [الإحياء]
يقول د. خالد الجبير:[اعلموا أنَّ الطاعات لازمة لحياة قلب العبد لزوم الطعام والشراب لحياة الجسد، والمعاصي بمثابة السموم التي تُفسد القلب كما تفسد الأطعمة المسمومة الجسد، وقد تُميته. وكما يأخذ العبد الأسباب لحياة جسده من المداومة على تناول الأغذية النافعة في أوقات متقاربة، وإذا تبين له أنه تناول طعامًا مسمومًا عن طريق الخطأ أسرع بتخليص نفسه منه؛ فحياة قلب العبد أولى بالاهتمام من جسده، وهذا لايعني أن نترك الجسد يمرض ولا نبحث عن علاجه. ولكن كما أننا نهتم بعلاج الجسد، يجب أن نهتم بعلاج القلب على قدم المساواة مع الجسد؛ لأن العبد إن مات وجسده مريض وهو صابر محتسب؛ فإن مصيره إلى ماذا؟ مصيره بأمر الله ورحمته إلى الجنة .. أما إن مات وقلبه مريض ولم يعالجه، ومات قلبه قبل أن يموت جسده؛ فإن مصيره إلى النار إنْ مات على ذلك ..
إنني أتعجب لكثيرٍ من الناس عندما يصابون بمرض بسيط في الجسد كوخزات بسيطة في القفص الصدري، أو ألم بسيط في القلب؛ فإنه يقلق، ويبحث بأسرع وقت عن أمهر الأطباء .. ولكن إذا مرض القلب في معصية؛ كم منا يبادر إلى علاج قلبه بالتوبة والندم؟!
إخواني! إذا كانت حياة الجسد تؤهل لمعيشة غير منغصة بالمرض في الدنيا؛ فإن حياة القلب تؤهل لحياة طيبة في الدنيا، وسعادة غير محدودة في الآخرة ..
قال عبدالله بن المبارك:
رأيتُ الذنوبَ تُميتُ القلوبَ وقد يُورِثُ الذُّلَّ إدمانُها
وتَركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ وخيرٌ لنفسِكَ عِصيانُها]أ. هـ (بتصرف بسيط)
حفظ العين
[جعل الله سبحانه العين مرآة القلب، فإذا غَضَّ العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته .. ويتبين الأمر بضرب مثل مطابق للحال، وهو أنك إذا ركبتَ فرسًا جديدًا فمالت بك إلى درب ضيق لا يُنفِذ، ولا يمكنها تستدير فيه للخروج، فإذا هَمَّتْ بالدخول فيه فاكبحها لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فَصِحْ بها، ورُدَّها إلى وراء عاجلًا قبل أنْ يتمكن دخولها؛ فإنْ رددتَها إلى ورائها سَهُل الأمر، وإنْ توانيتَ حتى وَلَجَتْ، وسُقْتَها داخلًا، ثم قمتَ تجذبها بِذَنَبِها عَسُرَ عليك، أو تَعَذَّرَ خُروجُها .. ! فهل يقول عاقل: إنَّ طريق تخليصها سوقها إلى داخل؟!
فكذلك النظرة إذا أثَّرَتْ في القلب .. فإنْ عَجَّل الحازمُ، وحَسَمَ المادةَ مِن أوَّلِها سَهُل علاجه، وإنْ كرَّرَ النظر، ونَقَّبَ عن محاسن الصورة، ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه؛ تمكنت المحبة .. وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة؛ فلا تزال شجرة الحب تنمو حتى يفسد القلب، ويُعرِض عن الفكر فيما أُمِرَ به؛ فيخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن، ويُلقِي القلب في التلف .. والسبب في هذا أنّ الناظر التذَّتْ عينُه بأول نظرة؛ فطلبت المعاودة، كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة .. ولو أنه غَضَّ أولًا لاستراح قلبه وسلم ..
وتأمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"النظرةُ سهمٌ مسمومٌ مِن سهامِ إبليسَ"فإنَّ السهم شأنه أن يسري في القلب؛ فيعمل فيه عمل السم الذي يُسقاه المسموم، فإنْ بادر استفرغه؛ وإلا قتله ولا بد .. !
والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإنْ لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار تُرمَى في الحشيش اليابس؛ فإنْ لم تحرقه كله أحرقت بعضه، كما قيل:
كلُّ الحوادثِ مَبدأُها مِنَ النظرِ .. ومُعظَمُ النارِ مِن مُستصغَرِ الشَّرَرِ