الصفحة 50 من 103

قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: ما منكم مِن أحد إلا سيخلو الله عز وجل به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثم يقول: يا ابن آدم! ما غَرَّك بي؟ يا ابن آدم! ما عملتَ فيما علمتَ؟ يا ابن آدم! ماذا أجبتَ المرسلين؟ يا ابن آدم! ألم أكن رقيبًا على عينك؛ وأنت تنظر بها إلى ما لا يحل لك؟ ألم أكن رقيبًا على أذنيك؟ وهكذا حتى عَدَّ سائر أعضائه.

حفظ اللسان

[اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبة؛ فإنه صغير جِرْمُه، عظيم طاعته وجُرْمُه! إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان.

ومَن أطلق عَذَبَةَ اللسان، [1] وأهمله مَرخِيّ العَنان سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جُرُف هار؛ إلى أنْ يضطره إلى البوار ..

ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم، ولا ينجو من شر اللسان إلا مَن قيده بلجام الشرع؛ فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله أو آجله.

وعِلم ما يُحمَد فيه إطلاق اللسان أو يُذَم غامض عزيز، والعمل بمقتضاه على مَن عرفه ثقيل عسير .. ! وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان؛ فإنه لا تعب في إطلاقه، ولا مؤنة في تحريكه! وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله، والحذر من مصائده وحبائله .. وإنه أعظم آلة للشيطان في استغواء الإنسان.] [الإحياء]

والكلام ترجمان يُعبِّر عن مستودعات الضمائر، ويُخبِر بمكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يُقدَر على رد شوارده، فحق على العاقل أنْ يحترز من زلَلِه بالإمساك عنه أو بالإقلال منه .. فـ[لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح أو فائدة، أم لا؟ فإنْ لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإنْ كان فيها ربح؛ نظر: هل تفوته بها كلمة هي أربح منها؛ فلا يضيعها بهذه. وإذا أردت أن تستدل على ما في القلوب فاستدل عليه بحركة اللسان؛ فإنه يطلعك على ما في قلب صاحبه.

قال يحيى بن معاذ:"القلوب كالقدور تغلى بما فيها، وألسنتها مغارفها،. فانظر الرجل حين يتكلم؛ فإن لسانه يغترف لك به مما في قلبه؛ حلو وحامض وعذب وأُجاج وغير ذلك، ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه".. أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقته؛ كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه. فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك.

ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز مِن أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغيرذلك؛ ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه؛ حتى يُرَى الرجل يُشار إليه بالدين والزهد والعبادة؛ وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقِي لها بالًا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب! وكم ترى مِن رجل متورع عن الفواحش والظلم؛ ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالى مايقول .. فإن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان وهى أضرها على العبد.

واختلف السلف والخلف: هل يُكتب جميع ما يلفِظ به، أو الخير والشر فقط على قولين؛ أظهرهما الأول. وقال بعض السلف: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان مِن ذكر الله وما والاه.

والكلام أسيرك؛ فإذا خرج مِن فِيكَ صرتَ أسيره، واللهُ عند لسان كل قائل: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد) [ق: 18]

وفى اللسان آفتان عظيمتان؛ إنْ خلص العبد من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت. وقد يكون كل منهما أعظم إثما مِن الأخرى في وقتها؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاصٍ لله، مراءٍ مداهن؛ إذا لم يخف علي نفسه .. والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، عاصٍ لله .. وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته؛ فهم بين هذين النوعين. وأهل الوسط -وهم أهل الصراط المستقيم- كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة؛ فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه، ضائعة بلا منفعة؛ فضلا أنْ تضره في آخرته .. وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال؛ فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال؛ فيجد لسانه قد هدمها مِن كثرة ذكر الله عز وجل، وما اتصل به.] [الجواب الكافي (ملخصًا) ]

ولما كانت آفات اللسان كثيرة، ولها في القلب حلاوة، ولها بواعث من الطبع؛ فلا نجاة من خطرها إلا بالصمت، سأل عقبة بن عامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما النجاة؟ قال:"أمسِكْ عليكَ لسانَكَ، وليَسَعْكَ بيتُكَ، وابكِ على خطيئتِكَ" [رواه الترمذي وابن أبي الدنيا والبيهقي، وقال الألباني: صحيح لغيره]

(1) عَذَبَة اللسان: طَرَفُه الدقيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت