فهرس الكتاب
قال الإمام النووي في"الأذكار": اعلم أنه لكلّ مكلّف أن يحفظَ لسانَه عن جميع الكلام إلا كلامًا تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة فالسنّة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلُها شيء.
قال أبو الدرداء: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: منُصْت واعٍ، أو متكلم عالم.
وروي عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أنه قال: كلِّم الناس قليلًا، وكلِّم ربك كثيرًا؛ لعل قلبك يرى الله تعالى.
قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: ما صلح منطق رجل إلا عُرف ذلك في سائر عمله.
قال سفيان الثوري: أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم العمل به، ثم حفظه، ثم نشره.
قال علي بن بكار: جعل الله تعالى لكل شيء بابين، وجعل للسان أربعة أبواب: فالشفتان مصراعان، والأسنان مصراعان.
وقال بعضهم: تعلم الصمت، كما تتعلم الكلام؛ فإنْ كان الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك.
قال وهب بن منبه: في حكمة آل داود: حق على العاقل أن يكون عارفًا بزمانه، حافظًا للسانه، مُقبلًا على شأنه.
وكم ببن عبد يسكت تصاونًا عن الكذب والغيبة. وبين عبد يسكت لاستيلاء سلطان الهيبة عليه!
قال الغزالي في"الإحياء":[فإنْ قلتَ: هذا الفضل الكبير للصمت ما سببه؟ فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان؛ من الخطأ والكذب، والغيبة والنميمة، والرياء والنفاق، والفحش والمراء، وتزكية النفس، والخوض في الباطل، والخصومة، والفضول والتحريف، والزيادة والنقصان، وإيذاء الخلق وهتك العورات.
فهذه آفات كثيرة، وهي لا تثقل على اللسان، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان، والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان؛ فيطلقه بما يحب ويكفه عما لا يحب؛ فإن ذلك من غوامض العلم. ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة؛ فلذلك عظمت فضيلته، هذا مع ما فيه من جمع الهم ودوام الوقار، والفراغ للفكر والذكر والعبادة، والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في الآخرة.]أ. هـ (ملخصًا)
اغتنِمْ ركعتينِ زُلفَى إلى اللهِ إذا كنتَ فارغًا مستريحَا
وإذا ما هممتَ بالنُّطْقِ بالباطلِ فاجعَلْ مكانَهُ تسبيحَا
إنّ بعضَ السكوتِ خيرٌ مِنَ النُّطْقِ وإنْ كنتَ بالكلامِ فصيحَا
من بديع أقوالهم في حفظ اللسان:
• عن مالك بن دينار عن الأحنف بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب: يا أحنف! مَن كثر كلامه كثر سَقطه، ومَن كثر سقطه قَلَّ حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قل ورعه، ومَن قلّ ورعه مات قلبه.
• قال أبو الدرداء: كفى بك كذبًا أن لا تزال محدِّثًا؛ إلا حديثًا في ذات الله تبارك وتعالى.
• عن كعب قال: العافية عشرة أجزاء؛ تسعة منها في السكوت.
• قال عمر بن عبد العزيز: مَن لم يعد كلامه مِن عمله كثرت خطاياه.
• قال الفضيل بن عياض: شيئان يقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل.
• قال عطاء: فضول الكلام ما عدا تلاوة القرآن، والقول بالسنة عند الحاجة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تنطق في أمر لا بدَّ لك منه في معيشتك، أما يستحيي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره أن يرى أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟! ثم تلا: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ) [الانفطار:10 - 11] و (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد) [ق:17 - 18]
• قال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك؛ فإنما جُعل لك أذنان وفم واحد؛ لتسمع أكثر مما تتكلم.
• قال عمرو بن العاص: زلّة الرِّجْل عظم يُجبَر، وزلّة اللسان لا تُبقِي ولا تذر. وصدق القائل:
يُصابُ الفتى مِن عَثْرَةٍ بلسانِهِ ... وليس يُصابُ المرءُ مِن عَثْرَةِ الرِّجْلِ
فعَثْرَتُهُ في القولِ تُذهِبُ رأسَهُ ... وعَثْرَتُهُ بالرِّجْلِ تَبْرَأُ على مَهْل
• قال ابن مسعود: والله الذي لا إله غيره؛ ما شيء أحق بطول سجْن من لسان.
• قال الإمام النووي في"الأذكار": بلغنا أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تُحصى، والذي أحصيتُه ثمانية آلاف عيب، ووجدتُ خصلة إن استعملتها سترتَ العيوبَ كلَّها! قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان.
• قال الأوزاعي: ما ابتُلِيَ أحد في دينه ببلاء أضر عليه من طلاقة لسانه.
• قيل في منثور الحكم: إذا تم العقل نقص الكلام.
أقباس نورانية من حرص السلف على حفظ اللسان:
• ذكر الإمام مالك في"الموطأ"عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دخل على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وهو يجبذ [1] لسانه، فقال له عمر: مه! غفر الله لك! فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد!!
(1) جبذ لغة في (جذب) أي أمسكه بشدة.