الصفحة 54 من 103

(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) : والطاعة بذاتها فوز عظيم. فهي استقامة على نهج الله. والاستقامة على نهج الله مريحة مُطَمْئِنَة. والاهتداء إلى الطريق المستقيم الواضح سعادة بذاته، ولو لم يكن وراءه جزاء سواه. وليس الذي يسير في الطريق الممهود المنير وكل ما حوله مِن خَلق الله يتجاوب معه ويتعاون؛ كالذي يسير في الطريق المقلقل المظلم وكل ما حوله مِن خَلق الله يعاديه ويصادمه ويؤذيه!

فطاعة الله ورسوله تحمل جزاءها في ذاتها؛ وهي الفوز العظيم، قبل يوم الحساب وقبل الفوز بالنعيم. أما نعيم الآخرة فهو فضل زائد على جزاء الطاعة. فضل مِن كرم الله وفيضه بلا مقابل. والله يرزق مَن يشاء بغير حساب. [التحرير والتنوير - تيسير الكريم الرحمن - محاسن التأويل - في ظلال القرآن]

تكلَّمْ وسَدِّدْ ما استطعتَ فإنما ... كلامُكَ حَيٌّ والسكوتُ جَمادُ

فإنْ لم تَجِدْ قولًا سديدًا تقولُهُ ... فصمتُكَ عن غيرِ السدادِ سَدادُ

اكسُ ألفاظك أحسنها:

وقد بلغت العناية بحفظ اللسان أن علماء"الجرح والتعديل" [1] لم يبيحوا لأنفسهم أن يخوضوا في أعراض الرجال حتى وإن كان بعضهم قد اشتهر بالكذب؛ فهذا"المزني"يقول: سمعني"الشافعي"يومًا وأنا أقول: فلان كذاب. فقال لي: يا إبراهيم! اكسُ ألفاظك أحسنها؛ لا تقل: كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء.

وقد وضعوا قواعد وضوابط لعلم"الجرح والتعديل"، وحرصوا أن يكون كلامهم في الرجال يحكمه العلم والعدل؛ حتى قال العلامة ابن دقيق العيد: أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف عليها الْمُحَدِّثون والحكَّام.

[فالتجريح ليس من الغيبة في شئ ما لم يتعد الحدود، وإذا كان عيبٌ واحد يكفي في تجريح الرجل حتى لا يُؤخذ عنه العلم فلا يتعداه المجرح إلى ذكر اثنين من عيوبه.

قال أبو بكر بن أبي الأسود: كنت أسمع"الأصناف"من خالي عبد الرحمن بن مهدي، وكان في أصل كتابه قوم قد ترك حديثهم، مثل"الحسن بن أبي جعفر"، و"عباد بن صهيب"، وجماعة نحو هؤلاء.

ثم أتيته بعد ذلك بأشهر، وأخرج إليّ كتاب"الديات"، فحدثني عن"الحسن بن أبي جعفر"، فقلت: يا خالي! أليس كنتَ قد ضربتَ على حديثه وتركتَه؟ قال: بلى .. تفكرتُ فيه إذا كان يوم القيامة؛ قام"الحسن بن أبي جعفر"، فيتعلق بي فيقول: يا ربِّ! سل عبد الرحمن بن مهدي فيم أسقط عدالتي؟ وما كان لي حجة عند ربي، فرأيت أن أُحدِّث عنه. فحدَّث عنه بأحاديث.

نستشف من النص وغيره أنهم لا يُجرحون أحدًا إلا بحق مخافة الحساب في اليوم الآخر، ولا يذكرون الجرح إلا مفسرًا لما قد يكون جرحًا عند المتشددين وليس كذلك عند غيرهم، ويقتصدون في الجرح، فإذا كفاهم واحد لا يزيدون عليه، وهي منهجية صادقة اقتفى السير عليها أغلب علماء"الجرح والتعديل".] [2]

قال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أنْ ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبتُ أحدًا. قال الإمام الذهبي: صدق رحمه الله، ومَن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يُضَعِّفه؛ فإنه أكثر ما يقول:"مُنكَر الحديث"،"سكتوا عنه"،"فيه نظر".. ونحو هذا. وقَلَّ أنْ يقول:"فلان كذاب"، أو:"كان يضع الحديث"، حتى إنه قال: إذا قلتُ:"فلان في حديثه نظر"؛ فهو مُتَّهَم واهٍ .. وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبتُ أحدًا .. وهذا هو والله غاية الورع. [سير أعلام النبلاء]

فيا كثير الكلام ..

ما ظنك بمن يُحصي جميع كلماتك، ويضبط كل حركاتك، ويشهد عليك بجميع حالاتك .. لا ينقص ولا يزيد .. عن اليمين وعن الشمال قعيد ..

كلامك مكتوب، وقولك محسوب، وأنت يا هذا مطلوب؛ ولك ذنوب وما تتوب! وشمس الحياة قد أخذت في الغروب، فما أقسى قلبك من بين القلوب؛ وقد أتاه ما يصدع الحديد: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ..

أتظن أنك متروك مُهمَل؟ أم تحسب أنه ينسى ما تعمل؟ أو تعتقد أن الكاتب يغفل؟! هذا صائح النصائح قد أقبل؛ يا مَن أَجَلُهُ ينقص وأمله يزيد: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) .. [3]

الاستغفار يرقع ما خرقته الجوارح

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يُرَقِّعه؛ فمَن استطاع منكم أن يجيء بصوم مُرقَّع فليفعل.

(1) الجرح: هو الطعن في راوي الحديث بما يسلب عدالته أو ضبطه. وله ألفاظ مخصوصة مثل: لين، ضعيف، متروك الحديث، كذاب ... الخ. والتعديل: هو توثيق الراوي ووصفه بالعدالة والضبط. وقد أجمع المحَدِّثون على جواز ذكر مساوئ رواة الأحاديث، والتفصيل في أحوالهم دون حرج لمصلحة حفظ الحديث النبوي، واعتبروا ذلك أمانة في أعناقهم. واعتبر العلماء أن علم"الجرح والتعديل"صيانة للشريعة، وذلك لحفظه الحديث النبوي.

(2) التعديل والتجريح لسليمان الباجي

(3) موضوع"حفظ اللسان"منقول باختصار من كتاب"بشريات السلامة من أهوال القيامة": 6

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت