الصفحة 53 من 103

وأُوصيكم بوصية فاحفظوها: لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع؛ فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها، وكونوا أعوانا على الإنس بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل باب واقعدوا لهم كل مرْصد، أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين) [الأعراف: 16 - 17] ؟ أو ما تروني قد قعدت لابن آدم بطرُقه كلها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدت له بطريق غيره؛ حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها؟] [الجواب الكافي]

وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال:"الفم و الفرج" [قال الترمذي: حديث حسن صحيح]

وسأل معاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - برأسه وعموده وذروة سنامه، ثم قال:"ألا أخبرك بِمِلاكِ ذلك كلِّه؟"قال: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسان نفسه ثم قال:"كُفَّ عليكَ هذا". فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال:"ثَكِلَتْكَ أمُّكَ يا معاذ؛ وهل يَكُبُّ الناسَ على وجوهِهِم -أو على مَناخِرِهِم- إلا حصائدُ ألسنتِهم". [قال الترمذي: حديث حسن صحيح] .

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: إذا أصبح ابنُ آدمَ فإنَّ أعضاءَه تُكَفِّرُ اللسانَ؛ تقول: اتقِ اللهَ فينا؛ فإنكَ إنِ استقمتَ استقمنا، وإنِ اعوججتَ اعوججنا.

وقولوا قولا سديدا:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70 - 71]

تقديم الأمر بالتقوى مشعر بأن ما سيؤمرون به من سديد القول هو من شُعَب التقوى كما هو من شعب الإيمان. والقول: الكلام الذي يصدر من فم الإنسان يعبر عما في نفسه. والسديد: الذي يوافق السداد. والسداد: الصواب والحق، فشمل القولُ السديد الأقوال الواجبة والأقوال الصالحة النافعة؛ مثل ابتداء السلام، وقول المؤمن للمؤمن الذي يُحبه: إني أحبك.

والقول يكون بابا عظيما من أبواب الخير، ويكون كذلك من أبواب الشر. فقراءة القرآن على الناس من القول السديد، ورواية حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - من القول السديد. وكذلك نشر أقوال الصحابة والحكماء وأئمة الفقه. ومن القول السديد تمجيد الله والثناء عليه مثل التسبيح. ومن القول السديد الأذان والإقامةُ، قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب) [فاطر:10] ، والقول السديد يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فبالقول السديد تشيع الفضائل والحقائق بين الناس فيرغبون في التخلق بها، وبالقول السيّئ تشيع الضلالات والتمويهات فيغتر الناس بها، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا. وإن حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله.

قال القاشاني: السداد في القول، الذي هو الصدق والصواب، هو مادة كل سعادة، وأصل كل كمال؛ لأنه من صفاء القلب، وصفاؤه يستدعي جميع الكمالات، وهو وإن كان داخلًا في التقوى المأمور بها، لأنه اجتناب من رذيلة الكذب، مندرج تحت التزكية التي عبر عنها بالتقوى، لكنه أفرد بالذكر للفضيلة، كأنه جنس برأسه، كما خص جبريل وميكائيل من الملائكة.

ولما في التقوى والقول السديد من وسائل الصلاح جُعل للآتي بهما جزاءٌ بإصلاح

الأعمال ومغفرة الذنوب. فقال تعالى: (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أي: يكون ذلك سببًا لصلاحها، وطريقًا لقبولها، لأن استعمال التقوى، تُتقبَّل به الأعمال كما قال تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) ، ويُوفَّق فيه الإنسان للعمل الصالح، ويصلح الله الأعمال أيضًا بحفظها عما يفسدها، وحفظ ثوابها ومضاعفته، كما أن الإخلال بالتقوى، والقول السديد سبب لفساد الأعمال، وعدم قبولها، وعدم تَرَتُّبِ آثارها عليها.

(وَيَغْفِرْ لَكُمْ) أيضًا (ذُنُوبَكُمْ) التي هي السبب في هلاككم، فالتقوى تستقيم بها الأمور، ويندفع بها كل محذور.

والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم؛ فإنكم إنْ فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلب من تقبل حسناتكم والإثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها.

فالله يرعى المسددين، ويقود خطاهم، ويُصلح لهم أعمالهم جزاء التصويب والتسديد. والله يغفر لذوي الكلمة الطيبة والعمل الصالح، ويكفر عن السيئة التي لا ينجو منها الآدميون الخطاءون. ولا ينقذهم منها إلا المغفرة والتكفير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت