الصفحة 56 من 103

ليس يجري الاستغفار على لسانه دون فهمٍ ولا إدراك، بل يستغفر الله بقلبٍ مكسور، ونفسٍ مجروحة، وحُزنٍ عظيم على تفريطه وإهماله وتقصيره، فكان مَن رآه يظن أنه قد وقع في ذنبٍ عظيم! ولو تأملت حياته، لما وجدت فيها إلا الصوم، والصلاة، والعبادة، والذكر، والدعاء، والصدقة، والإحسان .. لكنه شعورهم بالتقصير في حق الله جلَّ وعلا، وهكذا كان سيد المستغفرين - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا كان أصحابه - رضي الله عنهم -.

سئل"سهل"عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب، فقال: أول الاستغفار الاستجابة، ثم الإنابة، ثم التوبة .. فالاستجابة أعمال الجوارح، والإنابة أعمال القلوب، والتوبة إقباله على مولاه بأنْ يترك الخلق، ثم يستغفر الله مِن تقصيره الذي هو فيه، ومِن الجهل بالنعمة وترك الشكر؛ فعند ذلك يُغفَر له.

قال الغزالي في"الإحياء": [الاستغفار بالقلب والتدارك بالحسنات -وإنْ خلا عن حل عقدة الإصرار- فليس يخلو عن الفائدة أصلا، فلا ينبغي أنْ تظن أنَّ وجودها كعدمها، بل عرف أهل المشاهدة وأرباب القلوب معرفة لا ريب فيها أنَّ قول الله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة:7] صِدق، وأنه لا تخلو ذرة مِن الخير عن أثر، كما لا تخلو شعيرة تطرح في الميزان عن أثر .. ولو خلت الشعيرة الأولى عن أثر لكانت الثانية مثلها، ولكان لا يرجح الميزان بأحمال الذرات، وذلك بالضرورة محال .. بل ميزان الحسنات يرجح بذرات الخير إلى أنْ يثقل؛ فترفع كفة السيئات .. فإياك أنْ تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها، وذرات المعاصي فلا تنفيها .. كالمرأة الخرقاء تكسل عن الغَزْل تعللا بأنها لا تقدر في كل ساعة إلا على خيط واحد، وتقول: أي غنى يحصل بخيط، وما وَقْعُ ذلك في الثياب؟ ولا هي تدري أنَّ ثياب الدنيا اجتمعت خيطًا .. خيطًا .. وأنَّ أجسام العالم مع اتساع أقطاره اجتمعت ذرة .. ذرة ..

فإذن التضرع والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند الله أصلا، بل أقول الاستغفار باللسان أيضًا حسنة، إذ حركة اللسان بها عن غفلة؛ خَيْرٌ مِن حركة اللسان في تلك الساعة بغيبة مسلم، أو فضول كلام .. بل هو خير مِن السكوت عنه؛ فيظهر فضله بالإضافة إلى السكوت عنه، وإنما يكون نقصانًا بالإضافة إلى عمل القلب. ولذلك قال بعضهم لشيخه أبى عثمان المغربي: إنَّ لساني في بعض الأحوال يجرى بالذكر والقرآن، وقلبي غافل .. ! فقال: اشكر الله إذ استعمل جارحة مِن جوارحك في الخير، وعَوَّدَهُ الذكر، ولم يستعمله في الشر، ولم يعوده الفضول.

وما ذكره حَقٌّ؛ فإنَّ تعود الجوارح للخير حتى يصير لها ذلك كالطبع يدفع جملة من المعاصي .. فمَن تعود لسانه الاستغفار إذا سمع مِن غيره كذبًا؛ سبق لسانه إلى ما تعود، فقال: أستغفر الله .. ومَن تعود الفضول؛ سبق لسانه إلى قول: ما أحمقك وما أقبح كذبك! ومَن تعود الاستعاذة إذا حُدِّث بظهور مبادئ الشر مِن شرير؛ قال بحكم سبق اللسان: نعوذ بالله .. وإذا تعود الفضول؛ قال: لعنه الله! فيعصي في إحدى الكلمتين، ويسلم في الأخرى. وسلامته أثر اعتياد لسانه الخير، وهو مِن جملة معاني قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين) [يوسف:90] ومعاني قوله تعالى: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40] . فانظر كيف ضاعفها إذ جعل الاستغفار في الغفلة عادة اللسان حتى دفع بتلك العادة شر العصيان بالغيبة واللعن والفضول .. هذا تضعيف في الدنيا لأدنى الطاعات، وتضعيف الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ..

فإياك وأنْ تَلْمَح في الطاعات مجرد الآفات؛ فتفتر رغبتك عن العبادات؛ فإنَّ هذه مكيدة رَوَّجَها الشيطان بلعنته على المغرورين، وخَيَّل إليهم أنهم أرباب البصائر، وأهل التفطن للخفايا والسرائر .. فأي خير في ذكرنا باللسان مع غفلة القلب؟ فانقسم الخلق في هذه المكيدة إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات ..

أما السابق فقال: صدقتَ يا ملعون! ولكن هي كلمة حق أردتَ بها باطلا فلا جرم أعذبك مرتين، وأرغم أنفك مِن وجهين؛ فأضيف إلى حركة اللسان حركة القلب. فكان كالذي داوى جرح الشيطان بنثر الملح عليه.

وأما الظالم المغرور فاستشعر في نفسه خيلاء الفطنة لهذه الدقيقة، ثم عجز عن الإخلاص بالقلب؛ فترك مع ذلك تعويد اللسان بالذكر؛ فأسعف الشيطان، وتدلى بحبل غروره؛ فتمت بينهما المشاركة والموافقة.

وأما المقتصد فلم يقدر على إرغامه بإشراك القلب في العمل، وتفطن لنقصان حركة اللسان بالإضافة إلى القلب، ولكن اهتدى إلى كماله بالإضافة إلى السكوت والفضول؛ فاستمر عليه، وسأل الله تعالى أنْ يشرك القلب مع اللسان في اعتياد الخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت