الصفحة 57 من 103

فكان السابق كالحائك الذي ذُمَّت حياكته؛ فتركها وأصبح كاتبًا .. والظالم المتخلف كالذي ترك الحياكة أصلا، وأصبح كَنَّاسًا!! والمقتصد كالذي عجز عن الكتابة؛ فقال: لا أنكر مقدمة الحياكة، ولكن الحائك مذموم بالإضافة إلى الكاتب، لا بالإضافة إلى الكناس .. فإذا عجزت عن الكتابة؛ فلا أترك الحياكة ..

ولذلك قالت رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير .. فلا تظن أنها تذم حركة اللسان مِن حيث إنه ذكر الله، بل تذم غفلة القلب؛ فهو محتاج إلى الاستغفار مِن غفلة قلبه لا مِن حركة لسانه .. فإنْ سكتَ عن الاستغفار باللسان أيضًا احتاج إلى استغفارين لا إلى استغفار واحد .. !! فهكذا ينبغي أنْ تفهم ذم ما يُذَم، وحَمد ما يُحمَد؛ فإنَّ هذه أمور تثبت بالإضافة، فلا ينبغي أنْ تؤخَذ مِن غير إضافة، بل ينبغي أنْ لا تستحقر ذرات الطاعات والمعاصي.

ولذلك قال جعفر الصادق: إنَّ الله تعالى خَبَّأ ثلاثًا في ثلاث: رضاه في طاعته؛ فلا تحقروا منها شيئًا، فلعل رضاه فيه .. وغضبه في معاصيه؛ فلا تحقروا منها شيئًا، فلعل غضبه فيه .. وخَبَّأ ولايته في عباد؛ فلا تحقروا منهم أحدًا، فلعله ولي الله تعالى .. وزاد: وخَبَّأ إجابته في دعائه؛ فلا تتركوا الدعاء، فربما كانت الإجابة فيه.] أ. هـ

والاستغفار له فوائد ثلاث: الأولى: ألا يقدم الله هلاكك في الدنيا، يقول جعفر الصادق: لو نزلت صاعقةٌ من السماء؛ لأصابت كل عبدٍ إلا المستغفر؛ لأن الله يقول: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال:33] ، والثانية: أنها متاع حسن في الجسم والولد، قال سبحانه: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) [هود:3] ، والثالثة: أنها زيادة في المال والولد، قال نوحٌ - عليه السلام: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [نوح:10 - 12]

سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - يستغفر في المجلس الواحد مائة مرة:

أخرج النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه"في المجلس قبل أنْ يقوم مائة مرة. وله مِن رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: إنا كنا لنعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس:"ربِّ اغفِرْ لي وتُبْ عليّ؛ إنكَ أنتَ التوابُ الغفورُ"مائة مرة.

قال ابن حجر في"فتح الباري":[وأخرج النسائي أيضًا من طريق عطاء عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع الناس فقال:"يا أيها الناس! توبوا إلى اللهِ؛ فإني أتوبُ إليهِ في اليومِ مائةَ مرةٍ".

وعند مسلم بلفظ:"إنه ليغانّ على قلبي، وإني لأستغفرُ اللهَ كلَّ يومٍ مائةَ مرة". قال عياض: المراد بـ (الغين) فترات عن الذكر الذي شأنه أنْ يداوم عليه، فإذا فتر عنه لأمر ما؛ عَدَّ ذلك ذنبًا؛ فاستغفر منه. وقيل: هو شيء يعتري القلب مما يقع مِن حديث النفس. وقيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله، والشكر لما أولاه. وقيل: هي حالة خشية وإعظام، والاستغفار شكرها. ومِن ثَمَّ قال المحاسبي: خوف المقربين خوف إجلال وإعظام. وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي: لا يعتقد أنَّ (الغين) في حالة نقص، بل هو كمال، أو تتمة كمال. ثم مَثَّل ذلك بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلا، فإنه يمنع العين من الرؤية .. فهو مِن هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال.

وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية، وأجيب بعدة أجوبة، منها ما تقدم في تفسير (الغين) ، ومنها قول ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير.

ومحصل جوابه أنَّ الاستغفار مِن التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى. ويحتمل أنْ يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة، أو لمخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة، ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة .. وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله، والتضرع إليه، ومشاهدته ومراقبته .. فيرى ذلك ذنبًا بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس. ومنها أنَّ استغفاره - صلى الله عليه وسلم - تشريع لأمته، أو من ذنوب الأمة، فهو كالشفاعة لهم.] أ. هـ

وقال الغزالي في الإحياء: [كان - صلى الله عليه وسلم - دائم الترقي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها؛ فاستغفر من الحالة السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت