فهرس الكتاب
وقال الشيخ السهروردي: لما كان روح النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل في الترقي إلى مقامات القُرْب يستتبع القلب، والقلب يستتبع النَّفْس، ولا ريب أنَّ حركة الروح والقلب أسرع مِن نهضة النفس، فكانت خُطا النفس تقصر عن مَداهما في العروج؛ فاقتضت الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تنقطع علاقة النفس عنه، فيبقى العباد محرومين .. فكان - صلى الله عليه وسلم - يفزع إلى الاستغفار لقصور النفس عن شأو ترقى القلب، والله أعلم.] أ. هـ
رسولَ اللهِ .. ماذا قد أقولُ ... فأنتَ .. ودونكَ الدنيا سرابُ
سأدّخرُ القوافي يا شفيعي ... ليومِ الحوضِ والناسُ انتحابُ
فبعدَكَ كلُّ مدحٍ سوفَ يَفنى ... وبَعدَكَ كلُّ قافيةٍ تُذابُ
سأُعلِنُها أمامَ الصحبِ أنّي ... عجزتُ، وضاعَ من شَفتي الصوابُ
فنونُ الوصفِ للشعراءِ بحرٌ ... ووصفُ مُحمّدٍ حقًّا يُهابُ
فأحمدُ في فؤادي سوفَ يبقى ... مفاخرَ؛ حينَ تُذكرُ تُستَطابُ [1]
الاستغفار عقيب الطاعات:
ذكر ابن القيم في"مدارج السالكين"أن: [أرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارًا عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية، ولا رضيها لسيده، وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات؛ وهو أجَلُّ المواقف وأفضلها فقال: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم) [البقرة: 199]
وقال تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران: 17] . قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل.
وفي الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلَّم من الصلاة استغفر ثلاثًا، ثم قال:"اللهم أنتَ السلامُ، ومنك السلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ". وأمره الله تعالى بالاستغفار بعد أداء الرسالة والقيام بما عليه من أعبائها، وقضاء فرض الحج، واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أُنزلت عليه: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النصر:1 - 3] ومن ههنا فهم عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - أن هذا أجَلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه به، فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه؛ فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك، ولم يبق عليك شيء؛ فاجعل خاتمته الاستغفار، كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل، وخاتمة الوضوء أيضًا أنْ يقول بعد فراغه:"سبحانك اللهم وبحمدِكَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا أنتَ، أستغفرُك وأتوبُ إليكَ .. اللهم اجعلني مِنَ التوابين، واجعلني مِنَ المتطهرين". فهذا شأن مَن عرف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها.] أ. هـ
فاستغفروني أغفر لكم:
قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء:110 - 111]
[قال الضحاك: إن هذه الآية نزلت في شأن"وحشي"قاتل حمزة، أشرك بالله، وقتل حمزة، ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: هل لي من توبة؟ فنزلت الآية.
وعلى كل حال فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فهي لكل عبد من عباد الله أذنب ذنبًا، ثم استغفر الله سبحانه.
فمَن تجرأ على المعاصي واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًّا يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع والعزم على أن لا يعود؛ فهذا قد وعده مَن لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة.
فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلا عن توفيقه؛ لأنه قد غفره، وإذا غفره غفر ما يترتب عليه.
واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي؛ الصغيرة والكبيرة، وسمي (سوءًا) لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن.
(1) من قصيدة"ودمع العين أكثره جواب"للشاعر/ عبد الناصر منذر رسلان - موقع"صيد الفوائد"