فهرس الكتاب
وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق يشمل ظلمها بالشرك فما دونه. ولكن عند اقتران أحدهما بالآخر قد يفسر كل واحد منهما بما يناسبه، فيُفسر عمل السوء هنا بالظلم الذي يسوء الناس؛ وهو ظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. ويُفسر ظلم النفس بالظلم والمعاصي التي بين الله وبين عبده، وسمي ظلم النفس (ظلمًا) لأن نفس العبد ليست ملكًا له يتصرف فيها بما يشاء، وإنما هي ملك لله تعالى قد جعلها أمانة عند العبد وأمره أن يقيمها على طريق العدل؛ بإلزامها للصراط المستقيم علمًا وعملا فيسعى في تعليمها ما أمر به ويسعى في العمل بما يجب، فسعيه في غير هذا الطريق ظلم لنفسه وخيانة وعدول بها
عن العدل، الذي ضده الجور والظلم.
ثم قال: (ومَن يَكْسِبْ إثمًا فإنما يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ) وهذا يشمل كل ما يؤثم من صغير وكبير، فمن كسب سيئة فإن عقوبتها الدنيوية والأخروية على نفسه، لا تتعداها إلى غيرها، كما قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الزمر: 7] لكن إذا ظهرت السيئات فلم تُنكر عمت عقوبتها وشمل إثمها، فلا تخرج أيضًا عن حُكم هذه الآية الكريمة؛ لأن من ترك الإنكار الواجب فقد كسب سيئة.
وفي هذا بيان عدل الله وحكمته؛ أنه لا يعاقب أحدًا بذنب أحد، ولا يعاقب أحدًا أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه، ولهذا قال: (وكانَ اللهُ عليمًا حكيمًا) أي: له العلم الكامل والحكمة التامة.
ومِن علمه وحكمته أنه يعلم الذنب وما صدر منه، والسبب الداعي لفعله، والعقوبة المترتبة على فعله، ويعلم حالة المذنب؛ أنه إن صدر منه الذنب بغلبة دواعي نفسه الأمارة بالسوء مع إنابته إلى ربه في كثير من أوقاته؛ أنه سيغفر له ويوفقه للتوبة. وإن صدر منه بتجرئه على المحارم استخفافًا بنظر ربه، وتهاونًا بعقابه؛ فإن هذا بعيد من المغفرة، بعيد من التوفيق للتوبة.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء، ثم استغفر الله غُفر له: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء:110] ، (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء:64] ] [فتح القدير - تيسير الكريم الرحمن]
وفي الحديث القدسي:".. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليلِ والنهارِ، وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعًا؛ فاستغفروني أغفِرْ لكم .." [رواه مسلم]
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"قال اللهُ تعالى: يا ابنَ آدمَ! إنكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لكَ على ما كانَ منكَ، ولا أُبالي .. يا ابنَ آدمَ! لو بلغتْ ذنوبُكَ عَنانَ السماءِ، ثم استغفرتَني غفرتُ لكَ .. يا ابنَ آدمَ! إنك لو أتيتَني بقُرابِ الأرضِ خطايا، ثم لَقِيتَني لا تشركُ بي شيئًا لأتيتُك بقُرابِها مغفرةً". [رواه الترمذي، وصححه الألباني]
ومن يغفر الذنوب إلا الله ..
قال ابن حجر في"فتح الباري":[أخرج الترمذي وغيره مِن حديث يسار وغيره مرفوعًا:"مَن قال: أستغفرُ اللهَ العظيمَ الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ وأتوبُ إليهِ؛ غُفرَت ذنوبُه وإنْ كان قد فَرَّ مِنَ الزَّحفِ".
قال أبو نعيم الأصبهاني: هذا يدل على أنَّ بعض الكبائر تُغفَر ببعض العمل الصالح، وضابطه الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكمًا في نفس ولا مال. ووجه الدلالة منه أنه مَثَّل بالفرار مِن الزحف، وهو من الكبائر؛ فدلَّ على أنَّ ما كان مثله أو دونه يُغفَر، إذا كان مثل الفرار من الزحف؛ فإنه لا يوجب على مرتكبه حكمًا في نفس ولا مال.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران:135]
اختُلِف في معنى قوله: (ذكروا الله) فقيل: إنَّ قوله: (فاستغفروا .. ) تفسير للمراد بالذكر. وقيل: هو على حذف، تقديره: (ذكروا عقاب الله) ، والمعنى: تفكروا في أنفسهم أنَّ الله سائلهم؛ فاستغفروا لذنوبهم أي لأجل ذنوبهم.
أخرج أحمد والأربعة وصححه ابن حبان من حديث علي بن أبي طالب، قال: حدثني أبو بكر الصديق -وصَدَقَ أبو بكر-: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ما مِن رجل يذنب ذنبًا، ثم يقومُ فيتطهر، فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله عز وجل؛ إلا غفر له"، ثم تلا: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً .. )
وقوله تعالى: (ولم يصروا على ما فعلوا .. ) فيه إشارة إلى أنَّ مِن شرط قبول الاستغفار