فهرس الكتاب
أنْ يُقلع المستغفر عن الذنب، وإلا فالاستغفار باللسان مع التلبس بالذنب كالتلاعب. ولأبي سعيد رفعه: قال إبليس: يا ربِّ! لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله تعالى:"وعزتي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" [أخرجه أحمد] ] أ. هـ
قال ابن مسعود: هذه الآية خير لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها. وقال ابن سيرين: أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إنَّ عبدًا أصابَ ذنبًا، فقال: يا ربِّ إني أذنبتُ ذنبًا فاغفره. فقال له ربُّه: عَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يَغفِرُ الذنبَ ويأخذُ بهِ، فغفرَ لهُ. ثم مكثَ ما شاءَ اللهُ، ثم أصابَ ذنبًا آخرَ .. وربما قال: ثم أذنبَ ذنبًا آخرَ فقالَ: يا ربِّ إني أذنبتُ ذنبًا آخرَ فاغفِره لي. قال ربُّه: عَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يَغفِرُ الذنبَ ويأخذُ به فغفرَ له. ثم مكثَ ما شاءَ اللهُ، ثم أصابَ ذنبًا آخرَ .. وربما قال: ثم أذنبَ ذنبًا آخرَ فقالَ: يا ربِّ إني أذنبتُ ذنبًا فاغفِره لي. فقال ربُّه: عَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يَغفرُ الذنبَ ويأخذُ بهِ، فقالَ ربُّه: غفرتُ لعبدي فليَعمَلْ ما شاءَ". [رواه البخاري ومسلم] يعني ما دام على هذه الحال؛ كلما أذنب ذنبًا استغفر منه.
وروي ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي - رضي الله عنه - قال: خياركم كل مفتن تواب، قيل: فإذا عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب. قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب. قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب. قيل: حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور.
وقيل للحسن: ألا يستحيي أحدنا من ربه؛ يستغفر من ذنوبه، ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود .. فقال: وَدَّ الشيطان لو ظفر منكم بهذا؛ فلا تملوا من الاستغفار. وروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا مِن أخلاق المؤمنين .. يعني أن المؤمن كلما أذنب تاب.
وقال عمر بن عبد العزيز: أيها الناس! مَن ألَمَّ بذنب فليستغفر الله، وليتب .. فإنْ عاد؛ فليستغفر الله، وليتب .. فإنْ عاد؛ فليستغفر، وليتب .. فإنما هي خطايا مطوَّقَة في أعناق الرجال، وإنَّ الهلاك في الإصرار عليها ..
ومعنى هذا أنّ العبد لا بد أنْ يفعل ما قُدِّر عليه من الذنوب، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"كُتِب على ابن آدم حظُّه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة .."، ولكن الله جعل للعبد مخرجًا مما وقع فيه من الذنوب، ومحاه بالتوبة والاستغفار .. فإنْ فعل فقد تخلص من شر الذنوب، وإن أصر على الذنب هلك.
والله تبارك وتعالى [يضاعف الحسنة وينميها ويثيب على الهم بها، والسيئة لا يضاعفها، ولا يؤاخذ على الهم بها .. فيعطي صاحب الحسنة مِن الحسنات فوق ما عمل، وصاحب السيئة لا يجزيه إلا بقدر عمله .. قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأنعام:160]
والحسنة مضافة إليه عز وجل؛ لأنه أحسن بها من كل وجه، فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه سبحانه! وأما السيئة فهو إنما يخلقها بحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه؛ فإنَّ الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير .. ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعاء الاستفتاح:"والخير بيديك، والشر ليس إليك .."؛ فإنه لا يخلق شرًّا مَحضًا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة؛ هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي .. فأما شر كلي أو شر مطلق فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه، وأما الشر الجزئي الإضافي فهو خير باعتبار حكمته، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردًا قط .. بل إما أنْ يدخل في عموم المخلوقات كقوله: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [الأنعام:101] ، وإما أنْ يضاف إلى السبب كقوله: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَق) [الفلق:2] ، وإما أنْ يحذف فاعله كقول الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) [الجن:10] ] [الحسنة والسيئة]
وا ذنوباه .. !
ذكر ابن حجر في"فتح الباري": [عن سهل بن سعد رفعه:"إياكم ومحقراتِ الذنوب، فإنما مثلُ محقراتِ الذنوبِ كمثلِ قومٍ نزلوا بطنَ وادٍ فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزَهم، وإنَّ محقراتِ الذنوبِ متى يؤخَذ بها صاحبُها تُهلكه". [أخرجه أحمد بسند حسن]
وعند النسائي وابن ماجة عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها:"يا عائشة! إياك ومحقراتِ الذنوب؛ فإنَّ لها مِن الله طالبًا". [صححه ابن حبان]