فهرس الكتاب
قال ابن بطال: المحقرات إذا كثرت صارت كبارًا مع الإصرار. وقد أخرج أسد بن موسى في الزهد عن أبي أيوب الأنصاري قال: إنَّ الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها وينسى المحقرات، فيلقى الله وقد أحاطت به، وإنَّ الرجل ليعمل السيئة فلا يزال منها مشفقًا حتى يلقى الله آمنًا.] أ. هـ
وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: وا ذُنوباه .. ! مرتين أو ثلاثا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - قل:"اللهم مغفرتُك أوسعُ من ذنوبي، ورحمتُكَ أرجى عندي من عملي"، فقالها .. ثم قال له: عُدْ؛ فعاد، ثم قال له: عُدْ؛ فعاد، فقال له:"قُمْ قد غفر الله لك". [رواه البيهقي في"شعب الإيمان"، والحاكم في"المستدرك"، وضعفه الألباني]
وفي صحيح البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أنْ يقع عليه، وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مَرَّ على أنفه".
قال ابن حجر في"فتح الباري":[ (إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أنْ يقع عليه .. ) ، قال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أنَّ قلب المؤمن منور، فإذا رأى مِن نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عَظُمَ الأمر عليه. والحكمة في التمثيل بالجبل أنَّ غيره مِن المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة .. وحاصله أنَّ المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده مِن الإيمان، فلا يأمن العقوبة بسببها .. وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى مِن صغير عمله السيئ.
(وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كأنها ذباب مَرَّ على أنفه) ، أي: ذنبه سهل عنده، لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أنَّ ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دفعه عنه.
(فقال به هكذا) : أي دفعه بيده. قال المحب الطبري: إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه مِن الله، ومِن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة. والفاجر قليل المعرفة بالله؛ فلذلك قلَّ خوفه، واستهان بالمعصية.
وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أنَّ قلب الفاجر مظلم، فوقوع الذنب خفيف عنده؛ ولهذا تجد مَن يقع في المعصية إذا وُعِظ يقول: هذا سهل!
قال: ويستفاد من الحديث أنَّ قلة خوف العبد ذنوبه، وخفته عليه يدل على فجوره. قال: والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير وأحقره، وهو مما يعايَن، ويُدفَع بأقل الأشياء.
قال: وفي ذكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده؛ لأنَّ الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالبًا العين. قال: وفي إشارته بيده تأكيد للخفة أيضًا؛ لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره. قال: وفي الحديث ضرب المثل بما يمكن وإرشاد إلى الحض على محاسبة النفس، واعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الإيمان.]أ. هـ (ملخصًا)
سيد الاستغفار:
عن شداد بن أوس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"سيد الاستغفار أن يقول العبد: (اللهم أنتَ ربي لا إلهَ إلا أنتَ، خلقتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ مِن شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لكَ بنعمتِكَ عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفِرْ لي؛ فإنهُ لا يَغفِرُ الذنوبَ إلا أنتَ) .. مَن قالها في النهارِ مُوقنًا بها، فماتَ مِن يومِهِ قبلَ أنْ يُمسي؛ فهو"
مِن أهلِ الجنةِ، ومَن قالها مِنَ الليلِ وهو مُوقِنٌ بها، فماتَ قبلَ أنْ يُصبِحَ؛ فهو مِن أهلِ الجنةِ". [رواه البخاري] "
قال ابن حجر في"فتح الباري": [قوله: (سيد الاستغفار) قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة كلها استعير له اسم (السيد) ، وهو في الأصل الرئيس الذي يُقصَد في الحوائج، ويُرجَع إليه في الأمور.
قوله: (وأنا على عهدك .. ) قال الخطابي: يريد أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك مِن الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك ما استطعتُ من ذلك. ويحتمل أنْ يريد: أنا مقيم على ما عهدتَ إليّ من أمرك، ومتمسك به، منتجز وعدك في المثوبة والأجر.
واشتراط الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى. وقال ابن بطال: قوله: (وأنا على عهدك ووعدك .. ) يريد (العهد) الذي أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم:"ألستُ بربكم .. ؟"فأقروا له بالربوبية، وأذعنوا له بالوحدانية. وبـ (الوعد) ما قال على لسان نبيه: إنَّ مَن مات لا يشرك بالله شيئًا، وأدى ما افترض عليه أنْ يُدخله الجنة. قال: وفي قوله: (ما استطعتُ .. ) إعلام لأمته أنَّ أحدًا لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله، ولا الوفاء بكمال الطاعات، والشكر على النعم .. فَرَفَق الله بعباده فلم يكلفهم مِن ذلك إلا وسعهم.