الصفحة 62 من 103

قوله: (أبوء لك بنعمتك عليّ .. ) أبوء معناه: أعترف. قوله: (وأبوء لك بذنبي .. ) أي أعترف أيضًا، وقيل: معناه أحمله برغمي لا أستطيع صرفه عني. وقال الطيبي: اعْتَرَفَ أولا بأنه أنعم عليه، ولم يقيده لأنه يشمل أنواع الإنعام، ثم اعترف بالتقصير، وأنه لم يقم بأداء شكرها، ثم بالغ فعده ذنبًا مبالغة في التقصير وهضم النفس. قلت: ويحتمل أنْ يكون قوله: أبوء لك بذنبي اعترف بوقوع الذنب مطلقًا؛ ليصح الاستغفار منه، لا أنه عَدَّ ما قَصَّر فيه مِن أداء شكر النعم ذنبًا.

قوله: (فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .. ) يؤخذ منه أنَّ مَن اعترف بذنبه غُفِر له. وقد وقع صريحا في حديث الإفك الطويل، وفيه:"العبد إذا اعترف بذنبه وتاب؛ تاب"

الله عليه .."."

قوله: (مَن قالها موقنًا بها .. ) أي مخلصًا مِن قلبه، مصدقًا بثوابها. وقال الداودي: يحتمل أنْ يكون هذا مِن قوله: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات) [هود:114]

قال ابن أبي جمرة: جمع - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث مِن بديع المعاني، وحُسْن الألفاظ ما يحق له أنْ يُسمَّى (سيد الاستغفار) ؛ ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة مِن شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو .. وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة؛ فإنَّ تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في ذلك عون مِن الله تعالى، وهذا القدر الذي يُكنى عنه بالحقيقة. فلو اتفق أنَّ العبد خالف حتى يجرى عليه ما قُدِّر عليه، وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة؛ لم يبق إلا أحد أمرين: إما العقوبة بمقتضى العدل، أو العفو بمقتضى الفضل.

وقال أيضًا: مِن شروط الاستغفار صحة النية والتوجه والأدب. فلو أنَّ أحدًا حَصَّل الشروط، واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد، واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد لكن أخَلَّ بالشروط .. هل يستويان؟ فالجواب: إنَّ الذي يظهر أنَّ اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط المذكورة، والله أعلم.] [فتح الباري (ملخصًا) ]

وقد[أجمع العارفون على أنّ التوفيق أنْ لايكلك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان أنْ يكلك الله تعالى إلى نفسك .. فمَن أراد الله به خيرًا فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللجوء إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته، وجوده وبره ..

فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لايمكنه أن يسير إلا بهما؛ فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه .. قال شيخ الإسلام: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس والعمل .. وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح من حديث بريدة:"سيدُ الاستغفار أنْ يقولَ العبدُ: اللهم أنت ربي لا إلهَ إلا أنتَ، خلقتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتِكَ عليّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفِرْ لي؛ فإنهُ لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ"فجمع في قوله - صلى الله عليه وسلم:"أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي"مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس والعمل؛ فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان. ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأنْ لا يرى نفسه إلا مفلسًا، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسه حالا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلق به، ولا وسيلة منه يَمُن بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف والإفلاس المحض؛ دخول مَن كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه؛ فانصدع، وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل، وكمال فاقته وفقره إليه .. وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تُجبَر؛ إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته.

ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى! والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام. ومنشأ هذين الأصلين عن ذينك الأصلين المتقدمين؛ وهما: مشاهدة المنة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام .. وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غِرة وغيلة، وما أسرع ما ينعشه الله عز وجل ويجبره.] [الوابل الصيب]

يا مَن يَجُودُ بفضلِهِ فيَعُمُّنا ... مَن ذا يُجيرُ المذنبينَ سواكا

يا مَن لهُ كلُّ الخلائقِ سُجَّدٌ ... صَفْحًا ففَيْضُكَ غامرٌ ونَداكا

يا مَن لهُ عَنَتِ الوجوهُ جميعُها ... والكلُّ يسعى لائذًا بحِماكا

يا مَن بعثتَ لنا الحبيبَ محمدًا ... معهُ كتابُكَ حافلًا بهُداكا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت