الصفحة 63 من 103

إني سألتُكَ يا إلهي توبةً ... فامْنُنْ بها متكرمًا برضاكا

موضوع"الاستغفار"منقول من كتاب"بشريات السلامة من أهوال القيامة": 4

إنما يتقبل الله من المتقين

كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:60 - 61]

أي: يعطون من أنفسهم مما أُمروا به، مِن كل ما يقدرون عليه؛ من صلاة، وزكاة، وحج، وصدقة، وغير ذلك، ومع هذا (قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أي: خائفة (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي: خائفة عند عرض أعمالها عليه، والوقوف بين يديه، أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله، لعلمهم بربهم، وما يستحقه من أصناف العبادات.

(أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: في ميدان التسارع في أفعال الخير، هَمُّهم ما يقربهم إلى الله، وإرادتهم مصروفة فيما ينجي من عذابه، فكل خير سمعوا به، أو سنحت لهم الفرصة إليه، انتهزوه وبادروه، قد نظروا إلى أولياء الله وأصفيائه أمامهم، ويمنة ويسرة، يسارعون في كل خير، وينافسون في الزلفى عند ربهم، فنافسوهم. ولما كان السابق لغيره المسارع قد يسبق لجده وتشميره، وقد لا يسبق لتقصيره، أخبر تعالى أن هؤلاء من القسم السابقين فقال: (وَهُمْ لَهَا) أي: للخيرات (سَابِقُونَ) قد بلغوا ذروتها، وتباروا هم والرعيل الأول، ومع هذا، قد سبقت لهم من الله سابقة السعادة، أنهم سابقون.

قال تعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) ، وفرْق بين (أسرع) و (سارع) : أسرع يُسرع يعني: بذاته، إنما سارع يُسارع أي: يرى غيره يسرع، فيحاول أنْ يتفوق عليه، ففيه مبالغة وحافز على المنافسة.

وفرق بين (سارع إلى) و (سارع في) ، فمعنى (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ .. ) أنهم كانوا في حيِّز الخيرات ومظروفين فيه، لكن يحاولون الارتقاء والازدياد من الخيرات للوصول إلى مرتبة أعلى. فأسند المسارعة إليهم، إيماء إلى كمال استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسن أعمالهم. وإيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) للإيذان بأنهم متقلبون في فنون الخيرات، لا أنهم خارجون عنها، متوجهون إليها بطريق المسارعة.

فإذن العبرة ليست بمجرد العمل، إنما العبرة بقبول العمل، والعمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصا لوجه الله لا يخالطه رياء ولا سمعة، فهم إذن يعملون ويتحرَّوْن الإخلاص وأسباب القبول ويتصدَّق أحدهم بالصدقة، بحيث لا تعلم شماله ما أنفقتْ يمينه، ومع ذلك يخاف عدم القبول، وهذا أيضا من علامات الإيمان.

وكأن ربك عز وجل يَغَار عليك أنْ تعمل عملًا لا تأخذ عليه أجرا؛ لأنك إنْ رأيت الناس في شيء من العمل تركك الله وإياهم تأخذ منهم الجزاء، فهذا إذن جهد مُهْدر لا فائدة منه، وهذه المسألة لا يرضاها لك ربك.

فالمؤمن يؤدي ما عليه، ومع ذلك تراه خائفا وَجِلًا؛ لأنه يثق في الرجوع إلى الله والوقوف بين يديه سبحانه، وهو ربه الذي يُجازيه على قَدْر إخلاصه، ويخاف أيضا أن يفتضح أمره إنْ خالط عملَه شيءٌ من الرياء؛ لأن ربه غيور لا يرضى معه شريكًا في العمل، وهو سبحانه يعلم كل شيء ويحاسب على ذرات الخير وعلى ذرات الشر.

عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ .. ) : أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال:"لا يا بنتَ الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يُقبَلَ منهم، أولئك الذين يُسارعون في الخيرات". [رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني]

روي عن علي قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين) [المائدة:27]

وعن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين)

وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة، فقيل له: ما يبكيك؛ فقد كنتَ وكنت؟ قال: إني أسمع الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) .

قال ابن دينار: الخوف على العمل أن لا يُتقبل أشد من العمل. وقال عطاء السلمي: الحذر الاتقاء على العمل أن لا يكون لله. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيُقبَل منهم أم لا؟

وقال بعض السلف: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت