الصفحة 65 من 103

وقد استحقوا كل هذا النعيم المقيم لأنهم كانوا في الدنيا قد آخذوا ما آتاهم الله من الأوامر والنواهي، فتلقوها بالرحب، وانشراح الصدر، منقادين لما أمر الله به بالامتثال على أكمل الوجوه، ولما نهى عنه بالانزجار عنه لله على أكمل وجه، فإن الذي أعطاهم الله من الأوامر والنواهي هو أفضل العطايا، التي حقها أن تُتلقَّى بالشكر لله عليها والانقياد.

فلما سَلَّموا لله واستسلموا كان جزاؤهم من جنس عملهم. قد أعطاهم مولاهم جميع مُناهم، من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ذلك، راضين به، قد قرت به أعينهم، وفرحت به نفوسهم، ولم يطلبوا منه بدلا ولا يبغون عنه حولا؛ كلٌّ قد ناله من النعيم، ما لا يطلب عليه المزيد. [تيسير الكريم الرحمن (بتصرف) ]

وما ذاك إلا غيرةٌ أنْ يَنالَها ... سوى كُفئها والربُّ بالخلقِ أعلَمُ

وإنْ حُجِبَتْ عنا بكلِّ كريهةٍ ... وحُفَّتْ بما يُؤذي النفوسَ ويُؤلِمُ

فللهِ ما في حَشْوِها مِن مَسَرَّةٍ ... وأصنافِ لذاتٍ بها يُتَنَعَّمُ

فأقدِمْ ولا تَقنَعْ بعيشٍ مُنَغَّصٍ ... فما فازَ باللذاتِ مَن ليس يُقْدِمُ

وإنْ ضاقتِ الدنيا عليكَ بأسرِها ... ولم يَكُ فيها منزلٌ لكَ يُعلَمُ

فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها ... منازلُنا الأولى وفيها المُخَيَّمُ

أهل المرحمة

(3) الراحمون يرحمهم الرحمن

الأخلاق المثلى عماد الأمم وقوام الشعوب، وهي باقية ما بقيت أخلاقهم، هذه حقيقة مُسلَّمة. وإن من أعظم الأخلاق المندوبة، والسجايا المطلوبة، خلق الرحمة والتراحم بين المسلمين، ولا غرو؛ إذ هو مفتاح القبول لدى القلوب، ولا جرم، أن فقدان الرحمة بين الناس، فقدان للحياة الهانئة، وإحلال للجاهلية الجهلاء، والأثرة العمياء.

عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الراحمون يَرحمُهم الرحمنُ، ارحموا مَن في الأرضِ يَرحمْكم مَن في السماء". [رواه الترمذي، وصححه الألباني] ، وعن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا يَرحمُ اللهُ مَن لا يَرحَمُ النَّاسَ". [رواه البخاري]

قال ابن القيم: دل الشرع والقدر على أن الجزاء من جنس العمل.

فمَن صفا صُفي له، ومَن كدَّر كُدِّر عليه، ومَن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومَن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، وإنما يُكال للعبد كما كال، ومن صحت بدايته صحت نهايته.

وللرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يَرِق لآلام الخَلْق ويسعى لإزالتها، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى، هي كمال في الطبيعة؛ لأن تبلد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة الحيوان ويسلبه أفضل ما فيه.

عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ترى المؤمنينَ في تَوادِّهِم وتَراحُمِهِم وتَعاطفِهِم كمثلِ الجسدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تَدَاعَى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمَّى" [رواه مسلم] . قال الألباني في"السلسلة الصحيحة": وله شاهد من حديث سهل بن سعد مرفوعا بلفظ:"إن المؤمنَ مِن أهلِ الإيمانِ بمنزلةِ الرأسِ من الجسدِ، يَألَمُ المؤمنُ لأهلِ الإيمانِ كما يَألَمُ الجسدُ لما في الرأسِ" [أخرجه أحمد، وسنده لا بأس به في الشواهد]

قال القاضي عياض: تشبيهه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح، وفيه تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية، وفيه تعظيم حقوق المسلمين والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضًا.

وما ترى في الأرض من توادٍّ وبشاشة وتعاطف وبر أثر من رحمة الله التي أودع جزءًا منها في قلوب الخلائق؛ فأرق الناس أفئدة أوفرهم نصيبًا من هذه الرحمة، وأرهفهم إحساسًا بحياة الضعفاء.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعد جمود العين واستغلاق القلب من الشقاء. فإن القسوة في خُلُق إنسان دليل نقص كبير، وفي تاريخ أمة دليل فساد خطير ..

والله عز وجل حينما بعث رسله جعل تمكين الأخلاق الفاضلة في النفوس أصلا من أصول رسالاتهم، وأساسا من أسس دعواتهم. ولقد أراد الله أن يمتن على العالم بمَن يمسح آلامه، ويخفف أحزانه، ويرثي لخطاياه، يستميت في هدايته، ويناصر الضعيف، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها، ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنسانًا سليم الفطرة لا يَضرِي ولا يَطغَى .. فأرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وسكب في قلبه من العلم والحلم، وفي خُلُقه من الإيناس والبر، وفي طبعه من السهولة والرفق، وفي يده من السخاوة والندى؛ ما جعله أزكى عباد الله رحمة، وأوسعهم عاطفة، وأرحبهم صدرا .. ولذلك قال فيه ربه تبارك وتعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران:159] . وقال تعالى: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ) [التوبة:128] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت