الصفحة 66 من 103

وقد لازمته هذه الفضائل العذبة طيلة عمره الميمون، وتجلت رحمته - صلى الله عليه وسلم -، في جوانب كثيرة من حياته، حتى لقد أصبحت سمة بارزة، في كل شأن من شئونه، فهو عطوف رحيم أرسله إلى البشرية رحمن رحيم.

أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: (رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [إبراهيم:36] . وتلا قول عيسى - عليه السلام: (إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:118] . فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه وقال:"اللهم أمتي أمتي"وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل - عليه السلام - فسأله، فأخبره بما قال -وهو أعلم- فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتِك ولا نَسوءُك"."

لقد تجلت رحمة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بأمته، حتى بلغت تعليم الجاهل، وتوجيه الغافل، ومناغاة العيال والصبيان، أقسمت بنت من بناته ليأتينها لأجل ابن لها قبض، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله الصبي، ونفسه تتقعقع، ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول الله! ما هذا؟ قال:"هذه رحمةٌ جعلها اللهُ في قلوبِ عبادِه، وإنما يرحمُ اللهُ مِن عبادِه الرحماءُ". [رواه البخاري]

إن رحمة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لم تقف عند هذا الحد فحسب، بل لقد حوت رحمته طبقات المجتمع كلها، أراملَ وأيتاما، نساءً ومساكينَ، صغارا وكبارا .. حتى قال في التحذير من عدم الإشفاق على الناس، ونزع الرحمة عنهم:"اللهم مَن وَلِيَ مِن أمرِ المسلمين شيئًا فشقَّ عليهِم فاشقُقْ عليهِ، ومَن وَلِيَ مِن أمرِ المسلمين شيئًا فرفقَ بِهِم فارفُقْ به". [رواه مسلم]

وقد أمر الإسلام بالتراحم العام، وجعله من دلائل الإيمان الكامل، فالمسلم يلقى الناس قاطبة وفي قلبه لهم عطف مذخور وبر مكنون؛ فهو يوسع لهم، ويخفف عنهم جهد ما يستطيع .. عن أبي موسى - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لن تؤمنوا حتى تراحموا". قالوا: يا رسول الله! كلنا رحيم. قال:"إنه ليس برحمةِ أحدِكم صاحبَه ولكنها رحمةُ العامةِ". [رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح، وقال الألباني: حسن لغيره]

أجل .. فإن الرجل قد يهش لأصدقائه حين يلقاهم، وقد يرق لأولاده حين يراهم. وذلك أمر يشيع بين الكثير؛ بيد أن المفروض في المؤمن أن تكون دائرة رحمته أوسع؛ فهو يبدي بشاشته، ويظهر مودته ورحمته لعامة مَن يلقى ..

وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ليس منا مَن لم يَرحمْ صغيرَنا ويَعرفْ حقَّ كبيرِنا". [رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني]

وممن تجب الرحمة بهم اليتامى؛ فإن الإحسان إليهم والبر بهم وكفالة عيشهم وصيانة مستقبلهم من أزكى القربات، بل إن العواطف المنحرفة تعتدل في هذا المسلك، وتلزم الجادة.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسوة قلبه، فقال:"امسحْ رأسَ اليتيمِ وأطعمِ المسكينَ". [رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وقال الألباني: حسن لغيره]

وذلك أن القلب يتبلد في المجتمعات التي تضج بالمرح الدائم، والتي تصبح وتمسي وهي لا ترى من الحياة غير آفاقها الزاهرة، ونعمها الباهرة. والناس إنما يُرزقون الأفئدة النبيلة والمشاعر المرهفة عندما يتقلبون في أحوال الحياة المختلفة، ويبلون مس السراء والضراء .. عندئذ يحسون بالوحشة مع اليتيم، وبالفقدان مع الثكلى، وبالتعب مع البائس الفقير.

ومن مواطن الرحمة أن نحسن معاملة الخدم، وأن نرفق معهم فيما نكلفهم من أعمال، وأن نتجاوز عن هفواتهم، وألا نحس سطوة التصرف فيهم؛ فإن الله إذا مَلَّك أحدًا شيئًا فاستبد به وأساء سلبه ما ملك، وأعد له سوء المنقلب.

عن أبي مسعود الأنصاري قال: كنتُ أضرب غلامًا لي، فسمعتُ مِن خلفي صوتًا:"اعلم أبا مسعود! لَلهُ أقدرُ عليكَ منكَ عليهِ"، فالتفتُّ فإذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ: يا رسول الله! هو حرٌّ لوجهِ الله. فقال:"أما لو لم تفعلْ للفحتْكَ النارُ"، أو:"لمستك النارُ". [رواه مسلم]

وثمة أناس ينتهزون فرصة ضعف الخدم فيوقعون بهم ألوان الأذى، وقد رهَّب الإسلام من هذه الفظاظة وتوعَّد عليها: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن ضَربَ سَوْطًا ظُلمًا اقتُصَّ منه يومَ القيامةِ". [رواه البزار والطبراني بإسناد حسن، وقال الألباني: حسن صحيح]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت