الصفحة 67 من 103

والسلف الصالح خير مَن ترجم معاني الرحمة إبَّان عيشهم، فها هو الصديق خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وثاني اثنين إذ هما في الغار، الذي جبل نفسه على الرحمة والتراحم، منذ نعومة أظفاره، وما سُمي بالعتيق، إلا لكثرة ما يعتق من العبيد رحمة بهم، وإنقاذا لهم من سطوة غلاظ الأكباد وشرار الخلق، كان يتعهد امرأة عمياء في المدينة، يقضي لها أشغالها سرًّا، إبان خلافته للمسلمين، كما أنه كان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة، قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا. فسمعها فقال: بلى لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه.

ولقد بلغت الرحمة أجلى صورها في الفاروق - رضي الله عنه -، الذي بلغ من القسوة والغلظة في جاهليته أعظمها، فلما ذاق طعم الإيمان، انقلبت نفسه رأسا على عقب، وكأنه لم يكن قط قاسي النفس، غليظ القلب، فلما وُلي الخلافة، خطب الناس مطمئنا لهم قائلا:"اعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدا يظلم أحدا، أو يعتدي عليه، حتى أضع خده وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن للحق، وإني بعد شدتي تلك، أضع خدي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف"..

فرحم الله عمر الفاروق ورضي عنه وعن الصحابة أجمعين.

ومن الرحمة المطلوبة الرفق بالحيوان، رأى عمر - رضي الله عنه - رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال: ويلك! قُدها إلى الموت قودًا جميلا.

عن معاوية بن قرة عن أبيه - رضي الله عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله! إني لأرحم الشاة أن أذبحها، فقال:"إن رحمتها رحمك اللهُ". [رواه الحاكم، وصححه الألباني]

والإسلام شديد المؤاخذة لمن تقسو قلوبهم على الحيوان ويستهينون بآلامه، وقد بين أن الإنسان يدخل النار في إساءة يرتكبها مع دابة عجماء: عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"دَخَلَت امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فلم تُطْعِمْها ولم تَدَعْها تأكلُ مِن خَشَاشِ الأرضِ". [رواه البخاري]

كما بين أن كبائر المعاصي تمحوها نزعة رحمة تغمر القلب، ولو بإزاء كلب: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"بَيْنَا رَجُلٌ بطريقٍ اشتدَّ عليهِ العطشُ فوجدَ بئرًا فنزلَ فيها فشَرِبَ ثُمَّ خرجَ فإذا كلبٌ يَلْهَثُ يأكلُ الثَّرَى مِنَ العطشِ فقالَ الرجلُ: لقد بَلَغَ هذا الكلبَ مِنَ العطشِ مِثْلُ الذي كانَ بَلَغَ مني فنزلَ البئرَ فملأ خُفَّهُ ماءً فسقَى الكلبَ فشكرَ اللهُ له فغفرَ لَهُ". قالوا: يا رسول الله! وإنَّ لنا في البهائمِ لأجرًا؟ فقال:"في كُلِّ ذاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". [رواه البخاري]

وفي رواية:"أنَّ امرأةً بَغِيًّا رَأَتْ كلبًا في يومٍ حارٍّ يُطِيفُ ببئرٍ قد أَدْلَعَ لسانَهُ مِنَ العطشِ فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لها". [رواه مسلم]

ولئن كانت الرحمة بكلب تغفر ذنوب البغايا؛ فإن الرحمة بالبشر تصنع العجائب!

وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبيَ - صلى الله عليه وسلم - حن الجمل وذرفت عيناه؛ فأتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح ذِفراه فسكت، فقال:"مَن ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟"، فجاءه فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله! فقال له:"أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجيعُه وتُدئبُه". [رواه أبو داود، وصححه الألباني] (فمسح ذِفراه: ذِفرى البعير: أصل أذنه - تُدئبه: تكده وتتعبه)

فيا لله العجب! حتى البهائم أُلهمت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رحمة الله مهداة، وأنه نبي المرحمة، فأين أنتم عباد الله من قصة هذا الجمل؟ أين أنتم من إيذاء تلك البهائم؟ ناهيكم عن إيذاء البشر والاستخفاف بهم، أين أنت يا راعي الغنم؟ أين أنت يا سائق الإبل؟ أين أنت يا راعي الأسرة؟ أين أنت يا راعي المدرسة؟ وأنت يا راعي الدولة؟ اتقوا الله جميعا فيمن استرعاكم، ولئن كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قد مات، فلا تصل البهيمة بالشكوى إليه، أو البشر بطلب النصرة منه، فإن ربه حي لا يموت، يراكم ويسمعكم، ولكن يؤخركم إلى أجل لا ريب فيه، (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [البقرة:281] . [خلق المسلم للغزالي - ارحموا من في الأرض للشريم]

المواساة بالمال والطعام وقضاء الحاجات رحمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت