فهرس الكتاب
إن الفقر معرة إذا لصقت بالإنسان أحرجته، وهبطت به دون المكانة التي كتب الله للبشر، وإنها لتوشك أن تحرمه الكرامة التي فضل الله بها الإنسان على سائر الخَلق، وإنه لعزيز على النفس أن ترى شخصًا مشقوق الثياب، تكاد فتوقه تكشف عن سوءته، أو حافي الأقدام أبلى أديم الأرض كعوبه وأصابعه، أو جوعان يمد عينيه إلى شتى الأطعمة ثم يرده الحرمان وهو حسير ..
والذين يرون هذه الصورة الفاحشة ثم لا يكترثون بها ليسوا بشرا وليسوا مؤمنين؛ فبين البشر عامة رَحِم يجب أن توصل وألا تمزقها الفاقة.
ولقد حدث أن رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد هذه المناظر الحزينة فشق عليه مرآها، فجمع المسلمين ثم خطبهم، فذكرهم بحق الإنسان على الإنسان، وخوفهم بالله واليوم الآخر، وما زال بهم حتى جمعوا ما أغنى وستر ..
عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفاة عُراة مُجتابي النِّمار أو العَبَاء، مُتقلدي السيوف، عامتُهم من مُضَر، بل كلهم مِن مُضَر؛ فتمعَّر وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) إلى آخر الآية: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ، والآية التي في الحشر: (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) .. تصدَّقَ رجلٌ مِن دينارِه، مِن درهمِه، من ثوبِه، من صاعِ بُرِّه، من صاعِ تَمرِه"، حتى قال:"ولو بشِقِّ تمرةٍ". قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتهلل كأنه مَذهبَة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بعدَه مِن غيرِ أنْ يَنقُصَ مِن أجورِهم شيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلامِ سُنةً سيئةً كان عليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِلَ بها مِن بعدِه مِن غيرِ أنْ يَنقُصَ مِن أوزارِهم شيءٌ". [رواه مسلم] "
ومن كان متأسيًا فليتأسَّ بجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناسِ، وأجودُ ما يكونُ في رمضانَ حينَ يلقاهُ جبريلُ، وكان جبريلُ - عليه السلام - يلقاهُ في كُلِّ ليلةٍ مِن رمضانَ فيُدَارِسُهُ القرآنَ، فَلَرسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أجودُ بالخيرِ مِنَ الريحِ المُرسَلَةِ.
والجود: هو سعة العطاء وكثرته، والله تعالى يوصف بالجود. وفي الحديث:"إن الله تعالى جوادٌ يُحبُّ الجودَ، ويُحبُّ مَعاليَ الأخلاقِ ويَكرهُ سَفسافَها". [خرجه السيوطي، وصححه الألباني في صحيح الجامع]
فالله سبحانه وتعالى أجود الأجودين، وجوده يتضاعف في أوقات خاصة كشهر رمضان. و في الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره: أنه يُنادَى فيه:"يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة".
سمع الشبلي قائلا يقول: يا الله! يا جواد! ّ فبكى وقال: بلى .. يا جواد! فإنك أوجدت تلك الجوارح وبسطت تلك الهمم؛ فأنت الجواد كل الجود؛ فإنهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا حدَّ له .. فيا جوادًا يعلو كل جواد، وبه جاد كل مَن جاد ..
ولما كان الله عز وجل قد جبل نبيه - صلى الله عليه وسلم - على أكمل الأخلاق وأشرفها؛ فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس. وكان جوده - صلى الله عليه وسلم - بجميع أنواع الجود من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم ..
ولم يزل - صلى الله عليه وسلم - على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة - رضي الله عنها - في أول مبعثه:"والله لا يُخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتَقري الضيف، وتَحمل الكَّل، وتُكسب المعدوم، وتُعين على نوائب الحق". ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافا كثيرة.
وكان جوده - صلى الله عليه وسلم - كله لله، وفي ابتغاء مرضاته؛ فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام مَن يَقوى الإسلام بإسلامه، وكان يُؤثر على نفسه وأهله وأولاده؛ فيُعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يُوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع.
وكان جوده - صلى الله عليه وسلم - يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، وفي ذلك فوائد كثيرة؛ منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه.