فهرس الكتاب
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، كما أن"مَن جهز غازيًا فقد غزا، ومَن خلفَه في أهلِه فقد غزا". [رواه مسلم] ، وعن زيد بن خالد الجُهَنِي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن فَطَّرَ صائمًا كان له مِثْلُ أجرِهِ غيرَ أنه لا يَنْقُصُ مِن أجرِ الصائمِ شيءٌ". [رواه الترمذي، وصححه الألباني]
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، كما في الحديث:"إنَّ في الجنةِ غُرَفًا يُرَى ظاهرُها مِن باطنِها وباطنُها مِن ظاهرِها، أعدَّها اللهُ تعالى لمن أطعمَ الطعامَ وألانَ الكلامَ وتابعَ الصيامَ، وصلى بالليلِ والناسُ نيامٌ". [أخرجه السيوطي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع] ، وهذه الخصال كلها تكون في رمضان فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام. والصلاة والصيام والصدقة توصل صاحبها إلى الله عز وجل. قال بعض السلف: الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا، واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصا إنْ ضم إلى ذلك قيام الليل، فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"الصيامُ جُنة". وفي حديث معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النارَ، وصلاةُ الرجلِ من جوفِ الليلِ". [رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني] يعني أنه يُطفئ الخطيئة أيضا.
ومنها: أن الصيام لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص، وتكفير الصيام للذنوب مشروط بالتحفظ مما ينبغي التحفظ منه، وعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي؛ و لهذا نهى أن يقول الرجل: صمتُ رمضان كله، أو قمتُه كله. والصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل؛ ولهذا وجب في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث.
وله فوائد أخر، قال الشافعي - رحمه الله: أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.
والله تبارك وتعالى يقبل الصدقة وينميها لصاحبها، ويعطي عليها الثواب الجزيل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللهَ يَقبَلُ الصدقةَ ويأخذُها بيمينِه فيُربِّيها لأحدِكم كما يُرَبِّي أحدُكم مُهرَه، حتى إنَّ اللقمةَ لَتصيرُ مِثلَ أُحُدٍ". [رواه الترمذي، وقال الألباني: صحيح لغيره]
وأخرج الحاكم في"المستدرك"عن حرملة بن عمران أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يُحدَّث أن أبا الخير حدَّثه أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"كلُّ امرئٍ في ظِلِّ صدقتِهِ حتى يُفصَلَ بينَ الناسِ". أو قال:"حتى يُحكَمَ بينَ الناسِ". قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء؛ ولو كعكة، ولو بصلة! [رواه أحمد، وابن حبان، وابن خزيمة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم]
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما مِن يومٍ يُصبِحُ العبادُ فيهِ إلا مَلَكانِ يَنزلانِ فيقولُ أحدُهما: اللهم أعطِ مُنفقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللهم أعطِ مُمسِكًا تَلَفًا" [متفق عليه]
وعن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله! أي الصدقة أعظم أجًرا؟ قال:"أنْ تَصدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ تَخشَى الفقرَ وتأملُ الغِنى، ولا تُمهل حتى إذا بلغتِ الحلقومَ؛ قلتَ: لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا وقد كان لفلان" [متفق عليه]
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه:"أسرعُكنَّ لحوقًا بي أطولُكن يدًا". قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى تُوُفِّيَت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا؛ فعرفنا حينئذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد بطول اليد الصدقة. وكانت زينب - رضي الله عنها - امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز، وتتصدق في سبيل الله. [أخرجه الحاكم في"المستدرك"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أفضلُ الأعمالِ أنْ تُدخِلَ على أخيكَ المؤمنِ سرورًا أو تَقضيَ عنه دينًا، أو تُطعمَه خبزًا". [أخرجه السيوطي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع]
قال ابن القيم: وقد دلَّ العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومِلَلها ونِحَلها على أنّ التقرب إلى رب العالمين، والبِر والإحسان إلى خَلقه مِن أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأنَّ أضدادها مِن أكبر الأسباب الجالبة لكل شر؛ فما استُجْلِبَتْ نِعَم الله واستُدْفِعَتْ نِقَمه بمِثل طاعته والإحسان إلى خلقه.