فهرس الكتاب
وللصدقة والإحسان تأثير عجيب في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديما وحديثا لكفى به، فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة ..
فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته، عليه من الله جُنة واقية وحصن حصين، وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببًا لزوالها، ومن أقوى الأسباب حسد الحاسد والعائن؛ فإنه لا يفتر ولا يَني ولا يبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود؛ فحينئذ
يبرد أنينه وتنطفيء ناره -لا أطفأها الله- ..
فما حرس العبد نعمة الله تعالى عليه بمثل شكرها، ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله؛ وهو كفران النعمة، وهو باب إلى كفران المنعم.
فالمحسن المتصدق يستخدم جندًا وعسكرًا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه، فمن لم يكن له جند ولا عسكر، وله عدو؛ فإنه يوشك أن يظفر به عدوه؛ وإن تأخرت مدة الظفر، والله المستعان. [التفسير القيم]
وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال:"تُطعِمُ الطعامَ، وتقرأُ السلامَ على مَن عرفتَ ومَن لم تَعرفْ". [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه]
عن عليّ - رضي الله عنه - قال: لأنْ أجمع أناسًا مِن أصحابي على صاع مِن طعام أحب إليّ مِن أنْ أخرج إلى السوق؛ فأشتري نَسَمَة فأعتقها.
وعن حمزة بن صهيب أنَّ صهيبًا - رضي الله عنه - كان يُطعِم الطعام الكثير، فقال له عمر: يا صهيب! إنك تُطعِم الطعام الكثير؛ وذلك سَرَف في المال. فقال صهيب: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:"خِيارُكم مَن أطعمَ الطعامَ"؛ فذلك الذي يحملني على أنْ أُطعِم الطعام.
عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: لأنْ أُشبع كبدًا جائعة أحبُّ إليّ مِن حَجَة بعد حَجَة.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن نََفَّسَ عن مسلمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليهِ في الدنيا والآخرةِ، ومَن سَتَرَ مسلمًا سَتَرَهُ اللهُ في الدنيا والآخرةِ، واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيهِ .." [رواه مسلم]
وجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج؛ لأن الجزاء من جنس العمل كما جاء في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنما يرحمُ اللهُ مِن عبادِهِ الرُّحماءَ"، وفي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الذين يُعَذِّبون الناسَ في الدنيا".
قال الإمام النووي: ويدخل في كشف الكربة وتفريجها مَن أزالها بماله أو جاهه، أو مساعدته، والظاهر أنه يدخل فيه مَن أزالها بإشارته ورأيه ودلالته.
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخلُه على مسلمٍ، أو تكشفُ عنه كربةً، أو تقضي عنه دَينًا، أو تطردُ عنه جوعًا .. و لأن أمشي مع أخي المسلمِ في حاجةٍ أحبُّ إليّ مِن أنْ أعتكفَ في المسجدِ شهرًا، ومَن كفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عورتَه، ومَن كظمَ غيظًا ولو شاءَ أنْ يُمضيَهُ أمضاهُ ملأَ اللهُ قلبَه رضًا يومَ القيامةِ، ومَن مشى مع أخيهِ المسلمِ في حاجتِهِ حتى يُثبِتَها له أثبتَ اللهُ تعالى قدمَه يومَ تَزِلُّ الأقدامُ، وإنَّ سُوءَ الخُلُقِ ليُفسِدُ العملَ كما يُفسِدُ الخلُّ العسلَ". [أخرجه السيوطي، وابن أبي الدنيا، وحسنه الألباني في صحيح الجامع]
أقباس نورانية من سيرة السلف:
• عن برزة ابنة رافع قالت: لما جاء العطاء بعث أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - إلى أم المؤمنين زينب بنت جحش - رضي الله عنها - بالذي لها، فلما دخل عليها قالت: غفر الله لعمر؛ لَغيري مِن أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني. قالوا: هذا كله لك. قالت: سبحان الله! واستترتْ دونه بثوب، وقالت: صبوه، واطرحوا ثوبًا .. فصبوه وطرحوا عليه ثوبًا. فقالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة؛ فاذهبي إلى آل فلان وآل فلان مِن أيتامها وذوي رحمها. فقسمتْه حتى بقيتْ منه بقية .. فقالت لها برزة: غفر الله لك .. والله لقد كان لنا في هذا حظ! قالت: فلكم ما تحت الثوب. قالت: فرفعنا الثوب، فوجدنا خمسة وثمانين درهمًا .. ثم رفعتْ يديها وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا. قالتْ: فماتت رضوان الله عليها.
• عن مولاة لأبي أمامة الباهلي قالت: كان أبو أمامة رجلًا يحب الصدقة، ويجمع لها مِن الدينار والدرهم والفلوس، ولا يقف به سائل إلا أعطاه ما تهيأ له؛ حتى يضع في يد أحدهم البصلة!