فهرس الكتاب
قالت: فأصبحنا ذات يوم وليس في بيته شيء من الطعام، وليس عنده إلا ثلاثة دنانير .. فوقف به سائل؛ فأعطاه دينارًا .. ثم وقف به سائل؛ فأعطاه دينارًا .. ثم وقف سائل؛ فأعطاه دينارًا .. !
قالت: فغضبتُ وقلتُ: لم يبقَ لنا شيء! فاستلقَى على فراشه، وأغلقتُ عليه باب البيت حتى أذَّن المؤذن للظهر، فجئتُه فأيقظتُه .. فراح إلى المسجد صائمًا .. فرققتُ عليه، فاستقرضتُ ما اشتريتُ به عشاءً، وهيأتُ سراجًا وعشاءً، ودنوتُ مِن فراشه لأمهده له، فرفعتُ المرفقة؛ فإذا بذهب! فقلتُ: ما صنع إلا ثقة بما جاء به .. قالت: فعددتُها فإذا ثلاثمائة دينار .. ! فتركتُها على حالها.
قالت: فلما دخل ورأى ما هيأتُ له حمد الله تعالى، وتبسم في وجهي، وقال: هذا خير مِن غيره .. فجلس فتعشى .. فقلتُ: يغفر الله لك .. جئتَ بما جئتَ به ثم وضعتَه بموضع مضيعة؟! فقال: وما ذاك؟! فقلتُ: ما جئتَ به مِن الدنانير .. ورفعتُ المرفقة عنها؛ ففزع لما رأى تحتها، وقال: ويحك .. ما هذا؟! فقلتُ: لا علم لي به؛ إلا أني وجدتُه على ما ترى. [صفة الصفوة (بتصرف) ]
• قدمت لعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - سبعمائة راحلة تحمل على ظهورها كل ما يحتاج إليه الناس، وما إنْ دخلت المدينة حتى رُجَّت الأرض بها رجًّا، وسُمِع لها دَوِي وضجة .. فقالت عائشة - رضي الله عنها: ما هذه الرجة؟ فقيل لها: عِير لعبد الرحمن بن عوف؛ سبعمائة ناقة تحمل البُر والدقيق والطعام. فقالت عائشة: بارك الله فيما أعطاه في الدنيا، ولَثواب الآخرة أعظم.
وما إنْ لامست مقالة أم المؤمنين سمع عبد الرحمن حتى ذهب إليها مسرعًا وقال: أشهدكِ يا أُمَّه أنَّ هذه العِير جميعها؛ بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله. [1]
• كان علي بن الحسين أكثر ما حُبِّب إليه مِن أعمال البر صدقة السر، كان يحمل أكياس الدقيق على ظهره في عتمة الليل والناس نيام .. فكان ناس مِن أهل المدينة يعيشون لا يدرون مِن أين معاشهم .. فلما مات فقدوا ما كانوا يُؤتَون به بالليل .. وكان إذا أتاه سائل قال: مرحبًا بمَن يحمل زادي إلى الآخرة.
• وهذا الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد، ولي الله تعالى العارف به شمس الدين بن المنير الشافعي، كان يبيع سائر أنواع العطارة، وكان يجلس في حانوته ببعلبك، وفي كل يوم يضع من كسبه من الدنانير والدراهم والفلوس في أوراق ملفوفة، ويضع الأوراق في مكان عنده، وإذا وقف عليه الفقراء أعطاهم من تلك الأوراق ما يخرج في يده، لا ينظر في الورقة المدفوعة، ولا في الفقير المدفوع إليه .. وكان كثير الصدقة، معاونًا على البر والتقوى، وكان يعمر المساجد الخراب، ويكفن الفقراء، وكان له مهابة عند الحكام؛ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .. وكان صاحب أوراد ومجاهدات. [الكواكب السائرة]
• قال سعيد بن مسلمة بن هشام الأموي: كانت أم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان تبعث إلى نسائها، فيجتمعن ويتحدثن عندها، وهي قائمة تصلي .. ثم تنصرف إليهن فتقول: أحب حديثكن، فإذا قمتُ إلى صلاتي نسيتكن!
قال: وكانت تكسوهن الثياب الحسنة، وتعطيهن الدنانير، وتقول: الكسوة لَكُنَّ، والدنانير اقسمنها بين فقرائكن .. وكانت تقول: جُعِل لكل قوم نَهْمة في شيء، وجعلتُ نَهْمتي في البذل والإعطاء .. والله للصلة والمواساة أحب إليّ مِن الطعام الطيب على الجوع، ومِن الشراب البارد على الظمأ .. ما حسدتُ أحدًا قط على شيء إلا أنْ يكون ذا معروف؛ فإني كنتُ أحب أنْ أشركه في ذلك .. وهل يُنال الخير إلا باصطناعه؟
وقال منصور مولى بني أمية: كانت أم البنين تعتق في كل جمعة رقبة، وتحمل على فرس في سبيل الله.
• قال المكي بن إبراهيم: كنا عند ابن جريج المكي فجاء سائل فسأله، فقال ابن جريج لخازنه: أعطه دينارًا. فقال: ما عندي إلا دينار، إنْ أعطيتُه لجعتَ وعيالُك، قال: فغضب وقال: أعطه.
قال المكي: فنحن عند ابن جريج إذ جاءه رجل بكتاب وصرة، وقد بعث إليه بعض إخوانه، وفي الكتاب:"إني قد بعثت خمسين دينارًا".. قال: فحلَّ ابن جريج الصرة فعدَّها، فإذا هي واحد وخمسون دينارًا، قال: فقال ابن جريج لخازنه: قد أعطيتَ واحدًا فردَّه الله عليك وزادك خمسين دينارًا. [ذكره الترمذي عقب حديث:"من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعلِه: جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء"]
• عن أبي حاتم سليم بن منصور، قال: سمعت أبي يقول: دخلتُ على الليث بن سعد يومًا وعلى رأسه خادم يغمزه، فخرج، ثم ضرب الليث بيده إلى مصلاه؛ فاستخرج من تحته كيسًا فيه ألف دينار، ثم رمى بها إليَّ، ثم قال: يا أبا السري! لا تُعلِم بها ابني فتهون عليه. [حلية الأولياء]
(1) أقتابها: جمع (قَتَب) ، وهو رَحْل صغير على قدر سَنام البعير / أحلاسها: جمع (حِلْس) ، وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة.