الصفحة 87 من 103

وإن هناك للحظات في الحياة لا يصمد لها بشر إلا أن يكون مرتكنًا إلى الله، مطمئنًا إلى حماه؛ مهما أوتي من القوة والثبات والصلابة والاعتداد .. ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله؛ فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) .] [في ظلال القرآن]

[ (الذين آمنوا وتطمئن قلوبُهم بذكرِ الله) أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.

(ألا بذكرِ اللهِ تطمئن القلوبُ) أي: حقيق بها وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذكرها له، هذا على القول بأن ذكر الله، ذكر العبد لربه؛ من تسبيح وتهليل وتكبير وغير ذلك.

وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله؛ أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها؛ فإنها تدل على الحق المبين المؤيد بالأدلة والبراهين، وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن القلوب إلا باليقين والعلم، وذلك في كتاب الله، مضمون على أتم الوجوه وأكملها، وأما ما سواه من الكتب التي لا ترجع إليه فلا تطمئن بها، بل لا تزال قلقة من تعارض الأدلة وتضاد الأحكام. قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] وهذا إنما يعرفه من خبر كتاب الله وتدبره، وتدبر غيره من أنواع العلوم، فإنه يجد بينها وبينه فرقًا عظيمًا.] [تيسير الكريم الرحمن]

فـ[منزلة الذكر هي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائما يترددون .. والذكر منشور الولاية الذي مَن أُعطيه اتصل، ومَن مُنعه عُزل .. وهو قوت قلوب القوم؛ الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارة ديارهم التى إذا تعطلت عنه صارت بورًا .. وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب ..

إذا مَرضنا تَداوينا بذِكرِكُمُ ... ونَتركُ الذكرَ أحيانًا فننتَكِسُ

به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات .. إذا أظلمهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم .. فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون، ورءوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون، يدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويوصل الذاكر إلى المذكور بل يدع الذاكر مذكورًا ..

وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان؛ وهي غير مؤقتة، بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال؛ قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم .. فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها، فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها، وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها .. وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقا؛ ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقًا .. وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه؛ نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء ..

به يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن الألسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار .. زين الله به ألسنة الذاكرين، كما زين بالنور أبصار الناظرين؛ فاللسان الغافل كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء ..

وهو باب الله الأعظم؛ المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته .. قال الحسن البصري: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن؛ فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق!

وبالذكر يصرع العبد الشيطان، كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان .. قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يُصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنسي!

وهو روح الأعمال الصالحة، فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه .. ] [مدارج السالكين]

قال تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر: 22 - 23]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت