فهرس الكتاب
وعن الحارث الأشعري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ اللهَ أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمسِ كلماتٍ أنْ يعملَ بهن، ويأمر بني إسرائيلَ أنْ يعملوا بهن .."، منها:"وأمرَكم بذكرِ اللهِ كثيرًا، ومثلُ ذلك كمثلِ رجلٍ طلبَه العدوُّ سراعًا في أثرِه حتى أتى حصنًا حصينًا فأحرزَ نفسَه فيه، وكذلك العبدُ لا ينجو مِن الشيطان إلا بذكرِ اللهِ". [رواه الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، واللفظ له، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، وصححه الألباني]
إذا مرضنا تداوينا بذكركم:
قال شيخ الاسلام ابن تيمية: الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ قال تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]
[قال ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت. فإن قيل: أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم) [الأنفال: 2] والوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم ههنا بالاطمئنان؟ والجواب من وجوه: الأول: أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن يُقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل، وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة، سكنت قلوبهم إلى ذلك .. وأحد الأمرين لا ينافي الآخر؛ لأن الوجل هو بذكر العقاب، والطمأنينة بذكر الثواب، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي، وتوجد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات.
الثاني: أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزًا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا حقًّا من عند الله. أما شكهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم.
الثالث: أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - صادق في كل ما أخبر عنه، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا؟ وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا؟] [مفاتيح الغيب للرازي]
و [الاطمئنان السكون، واستعير هنا لليقين وعدم الشك؛ لأن الشك يستعار له الاضطراب. و (ذكر الله) يجوز أن يراد به خشية الله ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه. ويجوز أن يراد به القرآن؛ قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) [الزخرف: 44] ، والذكر من أسماء القرآن، ويجوز أن يراد ذكر الله باللسان؛ فإن إجراءه على اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته.
وهذا وصف لحسن حال المؤمنين ومقايستهِ بسوء حالة الكافرين الذين غمر الشك قلوبهم .. واختير المضارع في (تطمئن) مرتين لدلالته على تجدد الاطمئنان واستمراره، وأنه لا يتخلله شك ولا تردد.
وافتتحت جملة (ألا بذكر الله) بحرف التنبيه اهتمامًا بمضمونها، وإغراءً بوعيه. وهي بمنزلة التذييل لما في تعريف (القلوب) من التعميم. وفيه إثارة الباقين على الكفر على أن يتسموا بسمة المؤمنين من التدبر في القرآن لتطمئن قلوبهم، كأنه يقول: إذا علمتم راحة بال المؤمنين؛ فماذا يمنعكم بأن تكونوا مثلهم؛ فإن تلك في متناولكم لأن ذكر الله بمسامعكم.] [التحرير والتنوير]
[ (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) .. تطمئن بإحساسها بالصلة بالله، والأنس بجواره، والأمن في جانبه وفي حماه. تطمئن من قلق الوحدة، وحيرة الطريق بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير. وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل ضر ومن كل شر إلا بما يشاء، مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء. وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة ..
(ألا بذكر الله تطمئن القلوب) .. ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، فاتصلت بالله. يعرفونها، ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها؛ لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها، ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام، ويحس أنه في هذا الوجود ليس مفردًا بلا أنيس .. فكل ما حوله صديق؛ إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه.
وليس أشقى على وجه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله. ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون؛ لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق الكون. ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لم جاء؟ ولم يذهب؟ ولم يعاني ما يعاني في الحياة؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شيء خيفة؛ لأنة لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شيء في هذا الوجود. ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريدًا وحيدًا شاردًا في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين.