فهرس الكتاب
قال ابن القيم: محبة الله تعالى، ومعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل والمعاملة؛ بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته؛ هو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرة عين المحبين، وحياة العارفين.
ومن علامات صحة القلب أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره.
قال الربيع بن أنس: علامة حب الله كثرة ذكره؛ فإنك لن تحب شيئًا إلا أكثرت ذكره. وقال فتح الموصلي: المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين.
قال ذو النون: مَن اشتغل قلبه ولسانه بالذِّكر؛ قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه.
قال إبراهيم بن الجنيد: كان يُقال: من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان، وقلَّما وَلعَ المرءُ بذكر الله عز وجل إلا أفاد منه حبَّ الله.
وكلَّما قويت المعرفة صار الذكر يجري على لسان الذاكر من غير كُلفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله .. الله .. ولهذا يُلهم أهلُ الجنة التَّسبيح كما يُلهمون النَّفَسَ، وتصيرُ (لا إله إلا الله) لهم كالماء البارد لأهل الدنيا.
فإذا قوي حال المحب ومعرفته؛ لم يشغَلْه عن الذكر بالقلب واللسان شاغل، فهو بين الخَلق بجسمه، وقلبه معلق بالمحل الأعلى ..
ولهذا ورد فضلُ الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في المسند، والترمذى وسنن ابن ماجه عن عمر - رضي الله عنه - مرفوعًا:"مَن دخلَ سوقًا يُصاحُ فيه ويُباع، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمدُ، يُحيي ويُميت، وهو حيٌّ لا يموتُ، بيده الخير وهو على كلِّ شيءٍ قدير .. كَتبَ اللهُ له ألفَ ألفَ حسنةٍ، ومحا عنه ألفَ ألفَ سيئةٍ، ورفع له ألف ألفِ درجةٍ". [حسنه الألباني]
[ (مَن دخل السوق) قال الطيبي: خصه بالذكر لأنه مكان الغفلة عن ذكر الله والاشتغال بالتجارة؛ فهو موضع سلطنة الشيطان، ومجمع جنوده، فالذاكر هناك يحارب الشيطان ويهزم جنوده؛ فهو خليق بما ذكر من الثواب.
(فقال) أي سرًّا أو جهرًا .. قال الطيبي: فمَن ذكر الله فيه دخل في زمرة من قال تعالى في حقهم: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [النور: 37]
(كتب الله له) أي أثبت له أو أمر بالكتابة لأجله، (ومحا عنه) أي بالمغفرة أو أمر بالمحو عن صحيفته.]
قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ما دام قلبُ الرجل يذكر الله، فهو في صلاة؛ وإنْ كان في السوق، وإن حرّك به شفتيه فهو أفضل. وكان بعضُ السلف يقصدُ السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة. [جامع العلوم والحكم - تحفة الأحوذي]
بذكرِ اللهِ ترتاحُ القلوبُ ... وتنزاحُ المتاعبُ والكروبُ
وتنزلُ رحمةُ الغفارِ غيثًا ... بهِ تُمحَى المعاصي والذنوبُ
وتنفتحُ البصائرُ بعدَ غَيٍّ ... فتنكشِفُ الغياهِبُ والغُيوبُ
أياربي أتيتُكَ بعدَ عُمرٍ ... أضلتني بِهِ عنكَ الدروبُ
فقَدِّرْ في الخواتمِ لي مَتابًا ... إليكَ ولا تَدَعْ أملي يَخيبُ
فرحمتُكَ العظيمةُ لا تُدانَى ... وعفوُكَ واسعٌ سَمْحٌ رَحيبُ
تَضَاءلُ جنبَهُ كلُّ المعاصي ... وتَصغرُ عندَهُ منا الذنوبُ
قبسات نورانية من أخبار الذاكرين:
• عن عائشة - رضي الله عنها: كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه، والمعنى: في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على طهارة أو على حدث.
• كان لأبي هريرة - رضي الله عنه - خيطٌ فيه ألفا عُقدة، فلا ينام حتى يُسبِّح به.
• كان خالد بنُ معدان يُسبِّح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وضع على سريره ليغسل، فجعل يُشير بأصبعه يُحركها بالتسبيح.
• قيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانك يَفتُر؛ فكم تُسبِّح كل يوم؟ قال: مائة ألف تسبيحة، إلا أنْ تُخطئ الأصابع. يعني أنه يَعدُّ ذلك بأصابعه.
• قال عبد العزيز بن أبي رَوَّاد: كانت عندنا امرأة بمكة تُسبِّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، فماتت، فلما بلغت القبر اختُلِست من بين أيدي الرجال.
• كان عامة كلام ابن سيرين: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده.
• نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم، قال: فكنتُ كلما استيقظتُ من الليل وجدتُه يذكر الله، فأغتمّ، ثم أُعزِّي نفسي بهذه الآية: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة: 54]
• قال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يَثبت في مصلاه؛ يذكر الله حتى تطلع الشمس، ويخبرنا عن السلف: أن ذلك كان هديهم، فإذا طلعت الشمس قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله والتفقه في دينه. [سير أعلام النبلاء]