و بلغ البعد عن الإسلام أقصى مدىً له في البوسنة تحت الحكم الشيوعي ، حين انحصر الالتزام بالإسلام عند البشانقة في قليل من التورّع عن المحرّمات ، و ظل (( المسلم الذي يشرب الخمر لا يأكل لحم الخنزير ، و الذي لا يصوم يصلي ، والذي لا يصلي يختن أولاده ، و الذي لا يفعل ذلك يقرأ المولد الشريف ، وخلاصة الأمر أنه يندر أن تجد مسلمًا ينسلخ انسلاخًا تامًّا من الإسلام ، و كثيرًا ما يترنح بعض المسلمين سكرًا ، و لكنّه بمجرّد رؤيته أحد المسلمين ينفجر باكيًا ، و يخرج من محفظته صورةً لوالده بملابس الإحرام ، أو صورة الكعبة ، أو صورة المسجد النبوي الشريف ) ) (1) ، و هذا يدل على بعد الشقة بين كثيرٍ من المسلمين في البوسنة و بين الإسلام الحقيقي أثناء تلك الفترة بسبب حملات التغريب و التجهيل التي تعرض لها البشانقة .
و مع ذلك فإن التمسك ببعض المظاهر الاجتماعية المميزة للمسلمين عن غيرهم في المجتمع البوسنوي تحت الحكم الشيوعي ، يعتبر أهم أسباب حقد الحزب الشيوعي اليوغسلافي على المسلمين ، حيث استعصت الأقلية المسلمة على الذوبان التام في المجتمع اليوغسلافي ، و لم ينخراط أبنائها تمامًا في صفوف الحزب الشيوعي و لم ينتشر التفسخ العقدي و الانحلال الخلقي بينهم (2) .
و بناءً على ذلك فمن الأهميّة بمكان التأكيد على الفارق بين حال هذا الشعب في عهده الزاهر ، يوم كان للمجتمع المسلم دولة تظلُّه ، و شريعةٌ تحكمه ، و حاله بعد أن سقطت الخلافة التي أوصلت الإسلام إليه ، و وقع تحت حكم النصارى و الملاحدة الذين أولوا تغريبه و إبعاده عن دينه و عقيدته اهتمامًا بالغًا ، وساموه في سبيل ذلك سوء العذاب حتى كان تمكنوا من تحقيق جلِّ مآربهم .
(1) المجزرة في يوغسلافيا ، ص: 10 .
(2) انظر: المرجع السابق ، ص: 45، 46 .