فهرس الكتاب
تأسيسه لأكبر منارات العلم في البوسنة و الهرسك ، و هي مدرسته الحديثية في آقحصار ، التي خرَّجت أجيالًا من العلماء و الدعاة البارزين .
البعد عن التقليد الأعمى ، و التعصب المجرد من الحجة و البيان ، لآراء المشائخ و العلماء و إن علا شأنهم ، و ثبت سبقهم ، حيث (( لم يكن الشيخ مقلِّدًا لغيره ، و لا مقيدًا لنفسه إلاَّ بالقرآن و سنة رسول الله و آثار السلف إذا تبينت له صحة صدورها عنهم ) ) (1) .
سعيه الدؤوب للتقريب بين العلماء و الأمراء ، و جمعهم على كلمة سواء ، وهذا مقتضى ما عُرف عنه من تبجيل العلماء ، و الوصية بهم خيرًا ، لا عجب في أن نرى الشيخ رحمه الله يثني على مشائخه أعظم الثناء ، و يخلعهم أنفس وأجلَّ حلل التقدير و الاحترام ، و قد فعل ذلك حتى مع تلاميذه الأربعة النجباء الذين ترجم لهم في كتابه ( نظام العلماء ) كما تقدم ، فكيف بالمشائخ الثقات الذين أفاد من علومهم ، و أخذ على عاتقه الوصية بمراعاة حقوقهم ، فجعله من واجبات الحاكم المسلم حين قال:
(( ثمَّ يجب - أي على الحاكم - أن يبجل العلماء و الصلحاء و أهل الدعاء و يكرمهم و يعطيهم ، و يجلب قلوبهم بإحسانه و إنعامه ، و يستعين بدعائهم ومشاورتهم و رأيهم و تدبيرهم ، و يعتمد على قولهم فوق ما يعتمد على غيرهم ، إذ لا يقع منهم خيانة و لا حيلة … فإنهم ورثة الأنبياء ، و سبب صلاح الدنيا والعقبى … و قد قيل: خير الأمراء من يجالس العلماء ، و شر العلماء من يجالس
الأمراء )) (2)
(1) ... عن رسالة الدكتور عمر ناكيجيفيتش ، ص: 127 .
(2) ... انظُر: الدكتور عمر ناكيجيفيتش 140 نقلًا عن نسخة خطيَّة لكتاب ( أصول الحُكم ) .
قلت: و على جلالة مثل هذا الكلام إلاَّ أن ممَّا يقدح فيه ، مجانبة الشيخ رحمه الله الصواب فيما تلاه من الاستدلال على فضل العلماء ، بما لا يصح ، حيث استشهد بحديث (( النظر في وجوه العلماء عبادة ) ):
و هو حديث ضعيف جدا:
أخرجه الدارقطني - كما في أطراف الغرائب 5 / 236 - ، و من طريقه ابن الجوزي في"العلل المتناهية"
2 / 828 - 829 ( 1386 ) ، و أخرجه أيضا عفيف الدين أبو المعالي في"فضل العلم" ( 115 / 1 ) - كما في"السلسلة الضعيفة"للألباني 4 / 201 ( 1710 ) - عن سليمان بن الربيع النهدي ، قال حدثنا همام بن مسلم ، عن ابن جريج ، عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعا ، و لفظه:
(( خمس من العبادة ؛ قلة الطعام ، و القعود في المساجد ، و النظر إلى الكعبة ، و النظر في المصحف من غير أن يقرأ ، و النظر في وجه العالم ) ).
قال الدارقطني: ( تفرد به همام بن مسلم ، عن ابن جريج ، و لم يروه عنه غير سليمان بن الربيع ) .
و همام بن مسلم ، قال فيه ابن حبان: ( يسرق الحديث ) . و قال الدارقطني: ( متروك ) . و قال الخطيب: ( مجهول ) .
انظر: لسان الميزان 7 / 264 - 265 .
و سليمان بن الربيع النهدي ، قال الذهبي في"الميزان"2 / 207 ترجمة رقم ( 3459 ) : ( تركه الدارقطني وقال: غيّر أسماء مشائخ ) .
و رمز له السيوطي في"الجامع الصغير"2 / 6 بالضعف .
و أورده الشوكاني في"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"ص 287 مختصرا: ( النظر إلى وجه العالم عبادة ) . و قال: ( رواه الديلمي بلا سند عن أنس( مرفوعا ) .
· ... و مما استشهد به أيضا الشيخ حسن كافي الآقحصاري حديث:
(( يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الآخر ) ):
و هو حديث روي بأسانيد و ألفاظ متغايرة لا يخلو إسناد منها من متهم متروك ، أو كذاب مهتوك ، لذا قال الذهبي في"الميزان"3 / 517: ( متنه موضوع ) . و تبعه الألباني في"ضعيف الجامع". و بيان ذلك:
حديث ابن عمر (:
أخرجه الخطيب في"تاريخه"2 / 193 .
و فيه: محمد بن الحسن الأصم ، قال الخطيب: ( كان غير ثقة ، يروي الموضوعات عن الثقات ) . وذكر له حديثا آخر مع هذا الحديث ، ثم قال: ( و نرى الحديثين مما صنعت يداه ) .
حديث عبد الله بن عمرو (: =
= ... أخرجه ابن الجوزي في"العلل المتناهية"1 / 80 ، من طريق محمد بن يزيد الواسطي ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ، عن عبد الله بن يزيد الحبلي عنه .
قال ابن الجوزي: ( لا يصح ، قال أحمد بن حنبل: محمد بن زياد الواسطي لا يروي عن عبد الرحمن بن زياد شيئا ، و قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات ) .
حديث أبي الدرداء (:
أخرجه ابن عبد البر في"جامع بيان العلم" ( 153 ) .
و فيه: إسماعيل بن أبي زياد السكوني ، قال فيه ابن عدي: ( منكر الحديث ) .
و قال ابن حبان: ( دجال ، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه ) .
انظر"الميزان"1 / 230 .
و اقتصر العراقي في"تخريج الإحياء"1 / 6 على تضعيفه !
حديث النعمان بن بشير (:
أخرجه السهمي في"تاريخ جرجان"ص 91 و 222 ، و ابن الجوزي في"العلل المتناهية"1 / 81 .
قال ابن الجوزي: ( هذا لا يصح ، أما هارون بن عنترة ، فقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به يروي المناكير التي يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها . و يعقوب القمي: ضعيف ) .
حديث عمران بن حصين (:
أخرجه أبو الطيب ابن عمشليق في"جزئه"رقم 14 ؛ عن أبي القاسم ، وهو الحسن بن محمد بن الحسن السكوني ، عن أبي سعيد ، ثنا أحمد بن محمد بن القاسم أبو بكر مؤذن طرطوس ، عن غالب ، عن الحسن ، عنه .
و أبو سعيد ، هو: محمد بن خلف بن المزبان - كما يتبين من باقي أسانيد الجزء - قال فيه الداقطني:
( أخباري لين ) . عن"لسان الميزان"6 / 225 .
قلت: و شيخه لم أقف على ترجمته !!
ومجمل القول في هذا الحديث ما قال ابن الزملكاني ، فيما نقله عنه المناوي في"فيض القدير"6 / 603: ( أنه حديث لا تقوم به الحُجّة ، و قد أوضح جماعة في تضعيفه المَحجّة ، و ورد ما يدل على تساويهما في الدرجة ، و الإنصاف أن ما ورد للشهيد من الخصائص و صح فيه من دفع العذاب و غفران النقائص لم يرد مثله للعالم لمجرد علمه ، و لا يمكن أحد أن يقطع له به في حكمه ، و قد يكون لمن هو أعلى درجة ما هو أفضل من ذلك ..إلخ ) .
و لو اقتصر الشيخ حسن الآقحصاري على ما نقلتُ عنه أعلاه ، لكان في ذلك الكفاية ، و الله أعلم .