وقد شاع بين المتأدبين أن أحد النحاة القدماء قال: (أموت وفي نفسي شيء من حتى) . وهذا القول منسوب لأبي زكريا الفراء (207هـ) ، في مصدر متأخر، بتغيير طفيف هو: (أموت وفي قلبي من حتى) (1) . ولم نجد القول في كتب الفراء التي نشرت، ولا في المصادر القديمة التي ترجمت له. وعلى كل حال إذا كان صاحب القول - أيًّا كان- يريد بذلك معاني حتى، فذلك لا يسلّم له، إذ هو أمر ينطبق على كثير من الأدوات التي سماها القدماء حروف المعاني، كالباء مثلًا.
المهم أن العطف بحتى في عربية عصر الاحتجاج قليل. وآية ذلك أن القرآن الكريم قد خلا من حتى العاطفة. ذكر ذلك السيوطي (2) ، وعضيمة (3) .
وللعطف بحتى شرطان (4) : الأول: أن يكون الثاني جزءًا من الأول أو ما يتنزل منزلة البعض منه، مثل:
قام القومُ حتى زيدٌ
أكلت السمكة حتى رأسَها
أسرع القومُ حتى حميرُهم
والثاني: أن ما بعد حتى لا بد أن يكون عظيمًا، أو حقيرًا، أو قويًا، أو ضعيفًا، بعكس ما قبلها. مثل:
مات الناسُ حتى الأنبياءُ
نهض الحجاجُ حتى المشاةُ
ضعف الناسُ حتى السلطانُ
(1) صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي: الغيث المسجم شرح لأمية العجم، بيروت: دار الكتب العلمية 1975م، ح1/162-163.
(2) جلال الدين السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، القاهرة: ط السعادة، 137هـ، حـ1/161-162.
(3) محمد عبدالخالق عضيمة: دراسات لأسلوب القرآن الكريم، القاهرة: دار الحديث، ق1حـ2ص137.
(4) انظر في ذلك:
شرح كافية ابن الحاجب، لرضي الدين الاستراباذي، إستانبول: الشركة الصحافية العثمانية 1310هـ، حـ2/369.
رصف المباني في شرح حروف المعاني للمالقي، تحـ أحمد محمد الخراط، دمشق: مجمع اللغة العربية 1975م، ص181.
ارتشاف الضرب من لسان العرب، تحـ مصطفى النمّاس، القاهرة: 1987م، حـ2/646-647.