على أن العطف بحتى في عربيتنا المعاصرة ليس قليلًا، ودونك الصحف والمجلات والكتب لتنظر في أمثلتها الكثيرة. وقد تفرع عن هذا العطف عطفُ حتى على غير مذكور سابق في الجملة مثل:
لم يستطيعوا حتى شراءَ ملابس لأولادهم.
لم تعد تحقق حتى النجاحَ المادي.
لا تقدم منها ولا حتى سبحةً هديةً.
وهذا النوع الأخير كثير في العربية الفصحى المعاصرة لكنه منعدم في عربية عصر الاحتجاج لذلك كان طبيعيًا أن لا يتعرض النحاة له، سواء كانوا متقدمين أم متأخرين. فأما المتقدمون فمعلوم أنهم لا يصفون ظاهرة لم يجدوها أمامهم. وأما المتأخرون فلم يصفوا مادة لغوية جديدة، بل قصروا جهدهم على تنظيم أحكام النحاة القدماء، وتهذيب مصطلحاتهم. ونحن إنما تعلمنا قواعد الفصحى التي وقفت عند حدود عام 150هـ، فترتب على ذلك أن بعض الباحثين إذا وقف على ظاهرة نحوية في الفصحى الحديثة لم يجد لها ذكرًا عند القدماء، عدّ ذلك من قبيل تأثير الترجمة عن اللغات الأوربية الحديثة في العربية المعاصرة، بطريق مباشر أو غير مباشر. فكأن العربية لا تتطور ذاتيًا -بالمعنى العلمي المحايد للتطور- بل هي بحاجة إلى مصدر أجنبي حتى تتغير. ومما نحن بصدده بشأن هذه الظاهرة أن باحثًا رائدًا في دراسة الفصحى المعاصرة وقف على جمل مثل (لم يقبلوا حتى الصمت) فعلق عليها بقوله (وقد شاع استخدام(حتى) على النحو السابق بتأثير اللغات الأجنبية، فهي تقابل في المثال السابق كلمة even في الإنجليزية) (1) .
(1) محمد حسن عبدالعزيز: الخواص التركيبية للجملة في اللغة العربية كما تمثلها لغة الصحافة المعاصرة في مصر، رسالة ماجستير (غير منشورة) ، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة 1975م، ص112.