ونحن مع تسليمنا بوجود تشابه بين اللغات المختلفة سواء كانت من أرومة واحدة أو مختلفة -لا نرد هذا التشابه بالذات إلى التأثر بالإنكليزية، بل نقول: إن ظاهرة العطف بحتى على غير مذكور موجودة في الفصحى شعرًا ونثرًا منذ القرن الثالث الهجري على الأقل. والنص الذي يلغي الاجتهاد سيكون هو الحكم.
ونبدأ في متابعة هذه الظاهرة في العربية الفصحى المشتركة بعد عصر الاحتجاج باللغة، فنجدها عند الشاعر الأندلسي يحيى بن الحكم الغزال (ت255هـ) قال:
بنوا تلك المقابر بالصخور
على الفقراء حتى في القبور )) (1)
(( أرى أهل اليسار إذا توفّوا
أبوا إلاّ مباهاةً وفخرًا
ففي البيت الثاني نرى أن البنية العميقة له: أبوا إلا مباهاة وفخرًا على الفقراء في كل شيء حتى في القبور. ويصح أن تكون: أبوا إلاّ مباهاة وفخرًا على الفقراء في كل شيء ومنها القبور.
ثم نجد الظاهرة عند عريب بن سعد القرطبي (ت بعد 331هـ:(( وقيل لصاحب الدار: اكتب جميع ما ذهب منك، فكتب حتى المكنسة والمقدحة ) ) (2) . والبنية العميقة للجملة الأخيرة: فكتب كل شيء حتى المكنسة والمقدحة.
وسنكتفي من الآن بعرض الشواهد المختلفة على ظاهرة العطف بحتى على غير مذكور في الجملة في بنيتها السطحية، لكنها مفهومة من البنية العميقة عند قارئ هذه الشواهد.
فنجد هذه الظاهرة في شعر أبي الطيب المتنبي (ت354هـ) ، ومنها:
وبان له حتى على البدر ميسم )) (3)
(( فجاز له حتى على الشمس حكمه
(1) أحمد بن محمد المقّري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحـ إحسان عباس، بيروت: دار صادر 68-1972م، حـ2/256.
(2) عريب بن سعد القرطبي: صلة تاريخ الطبري (ضمن ذيول تاريخ الطبري) تحـ محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف 1990م، حـ11/236.
(3) أبو العلاء المعري: معجز أحمد، شرح ديوان أبي الطيب المتنبي، تحـ عبدالمجيد دياب، القاهرة: دار المعارف 86-1988م، ح3/150و151.